في الوضوء حتى يصح بغير نية عندنا ومن حيث جعل الوضوء في الشرع قربة يراد بها ثواب الآخرة كسائر القرب لا يتأدى بغير نية إلا أن الصلاة تستغني من هذا الوصف في الوضوء. والضرب الثاني الجهاد وصلاة الجنازة إنما صارا حسنين لمعنى كفر الكافر وإسلام الميت وذلك معنى منفصل عن الجهاد والصلاة حتى أن الكفار إن أسلموا لم يبق الجهاد مشروعا إن تصور لكنه خلاف
ـــــــ
المقصود بل مقصود التمكن من إقامة الصلاة بالطهارة, فإذا طهرت الأعضاء بأي سبب كأن سقط الأمر كالسعي إلى الجمعة يسقط بسعي لا للجمعة وإن كان يصلح أن يصير عبادة بالنية; لأن المقصود منه التمكن من أداء الجمعة بحصوله في المسجد لا لكونه عبادة فعلى أي وجه حصل سقط الأمر كذا هذا كذا في الأسرار.
قوله:"والضرب الثاني"وهو الذي حسن لمعنى في غيره وذلك الغير يتأدى بالمأمور به لا يحتاج إلى فعل مقصود الجهاد وصلاة الجنازة, أما الجهاد فلأنه ليس بحسن في وضعه; لأنه تعذيب عباد الله تعالى وتخريب بلاده وليس في ذلك حسن كيف وقد قال عليه السلام:"الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب", وسئل نبي من بني إسرائيل عن تعمير ملوك فارس وقد كانوا عمروا الأعمار الطوال فأوحى الله تعالى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وفي رواية أنصفوا عبادي وعمروا بلادي فأدمت لهم الملك, وإنما صار حسنا بواسطة كفر الكافر فإن الكافر صار عدو الله تعالى وللمسلمين فشرع الجهاد إعداما للكفرة وإعزازا للدين الحق وإعلاء لكلمة الله تعالى.
وأما صلاة الجنازة فلأنها ليست بحسنة في ذاتها إذ هي بدون الميت عبث كذا ذكر القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله وإنما صارت حسنة بواسطة إسلام الميت ألا ترى أن الميت لو لم يكن مسلما كانت الصلاة عليه قبيحة منهيا عنها قال الله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] , الآية فصارت حسنة لمعنى في غير الصلاة وهو قضاء حق الميت المسلم. قوله:"وذلك"أي كفر الكافر وإسلام الميت منفصل عن الجهاد والصلاة فإن الكفر قائم بالكافر والإسلام بالميت والجهاد قائم بالمجاهد والصلاة بالمصلي, والمقصود من هذا الكلام تحقيق كون هذا الضرب حسنا لغيره إذ حصول المقصود بالإتيان بالمأمور به نفسه يوهم أنه ملحق بالحسن لعينه كالصوم فحقق كونه حسنا لغيره بقوله وذلك معنى منفصل إلى آخره دفعا لذلك الوهم. قوله:"لكنه خلاف الخبر"; لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لن يبرح هذا الدين قائما تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة"1 وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في الإمارة حديث رقم 1922 والإمام أحمد في المسند 5/103.