الثالث فمختص بالأداء دون القضاء وذلك عبارة عن القدرة التي يتمكن بها العبد من أداء ما لزمه وذلك شرط الأداء دون الوجوب وأصل ذلك قول الله تعالى:
ـــــــ
مرة لم يسقط الفرض ووجب ثانيا; لأن المعنى الذي له وجب بمنزلة السبب الموجب فلا يبقى الحكم بدون السبب, كذا ذكر القاضي الإمام وشمس الأئمة رحمهما الله.
ثم الشيخ لما ذكر في أثناء كلامه ما يفهم منه هذه الأحكام لم يذكرها صريحا.
قوله:"وأما الضرب الثالث"وهو الذي سماه جامعا يختص بالأداء دون القضاء أي هذا القسم يتأتى في الأداء دون القضاء; لأن هذا القسم إنما صار جامعا للحسن الذاتي والحسن الإضافي باعتبار اشتراط القدرة وهي مشروطة في وجوب الأداء دون وجوب القضاء على ما ستعرفه فلا يتأتى في القضاء الجمع بين الحسنين فيكون مختصا بالأداء ضرورة, ثم الحسن باعتبار الغير إنما يثبت في هذا القسم مع كونه حسنا لذاته; لأن العبادة لا تصح أن تكون مأمورا بها إلا بقدر من المخاطب فيتوقف وجوبها على القدرة توقف وجوب السعي على وجوب الجمعة فصار حسنا لغيره مع كونه حسنا لذاته.
وذلك إشارة إلى الغير المفهوم من قوله الضرب الثالث أي الشيء الذي صار الحسن لعينه حسنا لغيره بواسطته هي القدرة التي يتمكن بها العبد من أداء ما لزمه أي يقدر عليه, وذلك أي الشرط المذكور وهو القدرة, شرط الأداء أي شرط وجوب الأداء, دون الوجوب أي دون نفس الوجوب. وقيل معناه الشرط المذكور وهو القدرة الحقيقية, شرط الأداء أي شرط حقيقة الأداء, دون الوجوب أي دون وجوب الأداء; لأن شرطه سلامة الآلات وصحة الأسباب لا حقيقة القدرة, والأول هو الوجه وعليه دل ما ذكر القاضي الإمام وشمس الأئمة في كتابيهما, وأصل ذلك أي أصل اشتراط القدرة قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] أي طاقتها وقدرتها أي لا يأمرها بما ليس في طاقتها فثبت بالنص أن القدرة شرط لصحة الأمر. واعلم أن الأمة قد اختلفوا في جواز التكليف بالممتنع وهو المسمى بتكليف ما لا يطاق فقال أصحابنا لا يجوز ذلك عقلا ولهذا لم يقع شرعا وقالت الأشعرية إنه جائز عقلا واختلفوا في وقوعه والأصح عدم الوقوع والخلاف في التكليف بما هو ممتنع لذاته كالجمع بين الضدين والعقد بين شعيرتين فأما التكليف بما هو ممتنع لغيره كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن مثل فرعون وأبي جهل وسائر الكفار الذين ماتوا على كفرهم فقد اتفق الكل على جوازه عقلا وعلى وقوعه شرعا, فالأشعرية تمسكوا بأن التكليف منه تصرف في عباده ومماليكه فيجوز سواء أطاق العبد أو لم يطق, وهذا; لأن امتناع التكليف إما أن كان لاستحالته في ذاته أو لكونه قبيحا لا وجه إلى الأول لتصور صدور الأمر من الله تعالى بالممتنع للعبد لا