وأما الكامل من هذا القسم فالقدرة الميسرة وهذه زائدة على الأولى بدرجة كرامة من الله تعالى وفرق ما بين الأمرين أن القدرة الأولى للتمكن من الفعل فلم يتغير بها الواجب فبقي شرطا محضا فلم يشترط دوامها لبقاء الواجب وهذه لما كانت ميسرة غيرت صفة الواجب فجعلته سمحا سهلا لينا فيشترط
ـــــــ
بقاء القدرة شرطا لبقائه ينبغي أن لا يجب الكفارة بالمال بعد سقوطها بفوات المال كما لو كفر بالصوم ثم ملك المال وإنما يسقط الزكاة بهلاك المال لتعين المحل حتى لو سرق مال الزكاة أو صار ضمارا سقط عنه الزكاة لفوات القدرة ولو وجده بعد سنين لا تجب عليه زكاة السنين الماضية ولكنه يجب عليه أداء الزكاة التي كانت عليه وكذا العشر والخراج; لأن كل واحد متعلق بنماء متعين فبهلاكه لم يبق التوهم وكان يقول لا أجد فرقا بين الصلاة ووجوب الكفارة في أنه تعتبر القدرة عند الفعل ويكفي قبله التوهم. ويدل على اشتراط القدرة في القضاء ما مر في باب الأداء والقضاء أن الأداء إنما يفوت مضمونا إذا كان قادرا على المثل حتى لو عجز عن المثل سقط كما في سقوط فضل الوقت وغصب المنافع وإتلاف ملك النكاح فلو لم يكن القدرة شرطا في القضاء لما سقط بالعجز إلا أن ما وجب بالقدرة الممكنة يبقى بعد فوات تلك القدرة لتوهم القدرة بعد ذلك فإن تحقق التوهم وجب الفعل وإلا ظهر أثره في المؤاخذة في الدار الآخرة. وذكر في الأسرار في مسألة التفريط أن الأصل أن القدرة المشروطة لابتداء وجوب الأداء يشترط لبقاء وجود الأداء; لأنها شرط الأداء فإن الله تعالى ما كلف أداء ما ليس في القدرة وأسقط بالحرج كثيرا من حقوقه والأداء حقيقته وقت الفعل فيشترط قيام تلك القدرة المشروطة للأداء وقت الفعل أيضا, ألا ترى أنا نشترط القدرة على التوضؤ بالماء حين المباشرة وقيام القدرة على أداء الصلاة قائما حين الأداء لا حين الوجوب؟
قوله:"وأما الكامل من هذا القسم"أي من الشرط الذي بينا أن الواجب يتوقف عليه ويزداد حسنا باشتراطه القدرة الميسرة, وهذه زائدة على الأولى وهي الممكنة بدرجة; لأن بها يثبت الإمكان ثم اليسر, وإنما شرطت هذه القدرة في أكثر الواجبات المالية ولم يشترط في البدنية; لأن أداءها أشق على النفس من العبادات البدنية; لأن المال شقيق الروح محبوب النفس في حق العامة والمفارقة عن المحبوب بالاختيار أمر شاق إليه أشار أبو اليسر, وفرق ما بين الأمرين أي القدرتين أن الأولى لما شرطت للتمكن من الفعل لم يتغير بها صفة الواجب إذ لا يمكن إثباته بدونها فكانت شرطا محضا ليس فيها معنى العلة بوجه والشرط المحض لا يشترط دوامه لبقاء المشروط كالطهارة شرط لجواز الصلاة ولا يشترط دوامها لبقاء الجواز وكالشهود في باب النكاح كما ذكرنا, وهذه أي القدرة الميسرة,