فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 2201

وبعد الوقوف على هذه المقدمات نخوض في إيضاح ما رمنا إيضاحه فيقول الصوم في هذه الأيام ترك للأكل والشرب والجماع ولإجابة دعوة الله تعالى عباده بالقرابين التي هي خالص أموال الله تعالى فإنها أموال خالصة لله تعالى جعلت محالا لإقامة التقرب إلي الله سبحانه بإراقة دماء الأنعام قد شرف الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته بهذه الضيافة فوجب عليهم إجابة دعوته والمسارعة إلى قبول إكرامه, فكان الصوم تركا لإجابة الدعوة والأكل والشرب والجماع وهو في نفسه شيء واحد غير أنه بالإضافة إلى الأكل والشرب والجماع كان عبادة مأذونا فيها لما تعلق به من الحكم والمصالح التي بينا وبالإضافة إلى إجابة الدعوة كان منهيا عنه باعتبار أنه في حقها ترك للواجب فيكون منهيا عنه وهو في ذاته متحد وهذه الأضداد متعددة بلا شك فإن إجابة الدعوة غير الأكل والشرب لتصور وجودها بدون إجابة الدعوة, وتغاير الأكل والشرب والجماع في أنفسها مما لا يشكل فكان الصوم الذي هو متحد في نفسه باعتبار الإضافة إلى الأضداد المتعددة بمنزلة المتعدد وهو باعتبار الإضافة إلى إجابة الدعوة منهي عنه وباعتبار الإضافة إلى الأكل والشرب والجماع عبادة مستحسنة فكان النهي باعتبار الحقيقة راجعا إلى الذات وباعتبار الحكم راجعا إلى غير ما هو صوم مستحسن على حسب ما ذكرت من المثال في المقدمات.

ثم إجابة الدعوة ليست بضد أصلي للصوم فإن الصوم في غير هذه الأيام ليس بترك لإجابة الدعوة وهو في جميع الأوقات ترك للأكل والشرب والجماع لكونها أضدادا له أصلية فكان الصوم باعتبار الإضافة إلى هذه الأضداد بمنزلة الأصل وباعتبار الإضافة إلى إجابة الدعوة بمنزلة التابع, فترك إجابة الدعوة في الصوم جعل كأنه وصف له وترك الأكل والشرب والجماع جعل كأنه موصوف متبوع فبقي الصوم مشروعا وبقي فيه نوع خلل فأمكن إيجابه بالقول, لأن بالقول يمكن التمييز بين المشروع منه وبين المنهي عنه وهو معنى قول الشيخ في الكتاب إنما وصف المعصية متصل بذاته فعلا لا باسمه ذكرا ولو صام عن واجب آخر لا يجوز لحصوله مختلا في نفسه لاستحالة التمييز في الفعل بين ترك الأكل والشرب والجماع وبين ترك إجابة الدعوة.

وهذا كما جوز علماؤنا بيع السمن الذائب الذي ماتت فيه الفأرة لإمكان إيراد البيع على السمن دون صفة النجاسة ومنعوا من أكله لاستحالة التمييز بينهما ثم لو صام في هذه الأيام يخرج عن عهدة النذر لأنه لما أضاف النذر إلى هذه الأيام أوجب على نفسه قدر ما يتحقق فيها وقد أتى بذلك القدر كمن نذر أن يعتق هذه الرقبة وهي عمياء خرج عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت