استحقاق الحرمات ولا عصيان ولا عدوان فيه ثم يتعدى منه إلى أطرافه ويتعدى منه إلى أسبابه وما يعمل لقيامه مقام غيره فإنما يعمل بعلة الأصل ألا
ـــــــ
بما ذكرنا خرج الجواب عن هذا الحديث الذي استدل به الشافعي رحمه الله فإنا لا نجعل الحرام محرما للحلال وإنما بنيت الحرمة باعتبار أن الفعل حرث للولد وحرمة هذا الفعل لكونه زنا, مع أن هذا الحديث غير مجرى على ظاهره, فإن كثيرا من الحرام يحرم الحلال كما إذا وقعت قطرة من خمر في ماء قليل وكالوطء بالشبهة ووطء الأمة المشتركة ووطء الأب جارية الابن فإن هذا كله حرام حرم الحلال لا لأنه حرام بل للمعنى الذي قلنا فكذلك ههنا كذا في المبسوط.
قوله:"والولد هو الأصل في استحقاق الحرمات"أي الحرمات الأربع التي ذكرناها."ولا عصيان"بالنظر إلى حقوق الله تعالى:"ولا عدوان"بالنظر إلى حقوق العباد أيضا في الولد لأنه مخلوق بخلق الله تعالى ولا عصيان ولا عدوان في صنعه ولهذا استحق هذا الولد جميع كرامات البشر التي استحقها المخلوق من ماء الرشدة كما ذكرنا"ثم يتعدى"أي الحرمات المذكورة"منه"أي الولد"إلى أطرافه"أي طرفيه وهما الأب والأم لا غير لأن حرمة أمهات الموطوءة وبناتها لا يتعدى منه إلا إلى الأب وكذلك حرمة آباء الواطئ وأبنائه لا يتعدى إلا إلى الأم ولا يستقيم تفسير الأطراف بالأبوين والأجداد والجدات كما هو مذكور في عامة الشروح فافهم.
"ويتعدى"أي سببية ثبوت هذه الحرمة والضمير المستكن راجع إلى المفهوم لا إلى المذكور ولا يجوز أن يكون راجعا إلى ما رجع إليه الضمير المستكن في يتعدى الأول لأن الحرمة لا يتعدى إلى الأسباب ولهذا أعيد لفظ يتعدى وإلا كان يكفيه أن يقول وإلى أسبابه"إلى أسبابه"أي أسباب الولد من النكاح والوطء والتقبيل والمس بشهوة عندنا خلافا للشافعي والنظر إلى الفرج خلافا له ولابن أبي ليلى.
"وما يعمل لقيامه مقام غيره"أي يعمل بطريق الخلافة والبداية. فإنما يعمل بعلة الأصل أي بالمعنى الذي يعمل به الأصل من غير نظر إلى أوصاف نفسه وصلاحيته للحكم بل ينظر في ذلك إلى صلاحية الأصل كالنوم والتقاء الختانين والسفر لما أقيمت مقام خروج النجاسة وخروج المني والمشقة عملت عملها من غير نظر إلى أوصاف أنفسها وصلاحيتها للحكم وكالتراب لما أقيم مقام الماء في إفادة التطهير نظر إلى صلاحية الماء للتطهير ولم يلتفت إلى وصف التراب الذي هو تلويث فكذلك ههنا أقيم الزنا مقام الولد بمعنى السببية فأخذ حكم الولد وأهدر وصف الزنا بالحرمة لأنه مع هذه الصفة سبب صالح للولد ولهذا أقيم مقامه والولد لا يوصف بالحرمة والقبح لما ذكرنا.