وذكر الجصاص رحمه الله أن العام ما ينتظم جمعا من الأسماء أو المعاني وقوله أو المعاني سهو منه أو مؤول لأن المعاني لا تتعدد إلا عند اختلافها وتغايرها وعند اختلافها وتغايرها لا ينتظمها لفظ واحد بل يحتمل كل واحد منها على الانفراد وهذا يسمى مشتركا وقد ذكر بعد هذا أن
ـــــــ
لا يقبل التعليل, فكذا هذا, وقوله, وإن كان كل موجود يتعلق بقوله يتناول كل موجود عندنا, وقوله ولا يتناول المعدوم معترض بينهما وفيه احتراز عن مذهبهم, وقوله عندنا احتراز عن القول بالاشتراك لا عن قول المعتزلة فافهم. قوله:"وهذا سهو منه"أي قوله أو المعاني سهو منه, وفي ذكر السهو دون الخطإ رعاية الأدب إذ لا عيب في السهو للإنسان والسهو ما ينتبه صاحبه بأدنى تنبيه والخطأ ما لا يتنبه صاحبه أو ينتبه بعد إتعاب كذا قال صاحب المفتاح1: ثم معنى قوله سهو أو مؤول أنه لا يخلو من أن أراد من قوله جمعا من المعاني تعددها حقيقة أو مجازا, فإن أراد الأول فلا يمكن تصحيح كلامه; لأن تعدد المعاني حقيقة لا يكون بتعدد أفرادها في الخارج بل بتعددها في الذهن, وذلك لا يكون إلا عند اختلافها, فإنك إذا رأيت إنسانا وثبت في ذهنك معناه ثم رأيت آخر وآخر لا يثبت معنى آخر في ذهنك. وإن كان إنسانية زيد في الخارج غير إنسانية عمرو وخالد ولكن إذا رأيت أسدا أو ذئبا أو فرسا أو غيرها يثبت معنى آخر في ذهنك غير الأول فثبت أن تعدد المعاني إنما يكون عند اختلافهما, وحينئذ لا يتناولها لفظ واحد على سبيل الشمول; لأن أفراد العام لا بد من أن تكون متفقة, فإذا اختلفت المعاني اختلفت أفراد العام فلا يدخل تحت لفظ واحد إلا بطريق البدل وذلك يسمى مشتركا ولا عموم له عنده أيضا, ولا يلزم على هذا لفظ العرض أو الأعراض بأنه يشمل المعاني المختلفة على سبيل الحقيقة; لأن تناوله ليس لكونها معاني مختلفة في ذواتها بل لكون كل واحد منها عرضا, وهذا معنى واحد ألا ترى أنه لا يتناول البياض أو السواد أو الحركة أو السكون; لأنه سواد أو بياض أو حركة أو سكون بل لكون كل واحد منها مستحيل البقاء فيكون كالشيء يتناول كل موجود بمعنى الموجود لا غير, توضيحه أنه لم يوضع بإزاء السواد أو البياض, فإنه لو فسر معناه بأنه السواد أو البياض أو نحوه يخطئ لغة, وقوله اختلافها وتغايرها ترادف ههنا, وإن كان الاختلاف في نفس الأمر أخص من التغاير لاستلزامه التغاير من غير عكس, وإن أراد الثاني أمكن تصحيحه; لأن المعنى الواحد يجوز أن يسمى معاني مجازا لتعدده في الخارج بسبب تعلقه بالمحال المتعددة كالخصب
ـــــــ
1 صاحب المفتاح هو يوسف بن محمد سراج الدين الخوارزمي السكاكي أبو يعقوب كان عالما بالنحو والتصريف والمعاني والبيان والعروض...توفي سنة 626 هـ.