الإحسان لا اختصاص له بالجواب فصار بمعنى المجمل فلم يصلح جوابا بنفسه وإذا قارنه نص أو ظاهر وهو ما ذكرنا حمل عليه وأما الصلاح فلفظ لا يصلح صفة للخبر بحال وهو محكم في هذا المعنى فإذا ضم إليه ما هو ظاهر أو نص وجب حمل النص الذي هو محتمل على الحكم الذي لا يحتمل فلم يكن تصديقا وصار مبتدأ فترجح البعض على البعض عند التعارض ومثاله أيضا قولنا
ـــــــ
ففي محل الجواب هذا اللفظ في معنى المجمل; لأن صلاحيته له ولغيره واحتمال الجواب وغيره فيه على السواء وباللفظ المجمل لا يصير مقرا والجواب لا يتم بكلام مجمل
وأما الصلاح فلا يصلح صفة للخبر بوجه فصار معنى كلامه البر والصلاح أولى بك أو الزم الصلاح واترك الدعوى الباطلة ولو ضم أحد الثلاثة إلى البر فقال الصدق البر أو الحق البر أو اليقين البر أو قدم البر فقال البر الصدق أو البر الحق أو البر اليقين كان إقرارا; لأن البر لما صار مجملا صار ما ضم إليه بيانا له, ألا ترى أن البر مقرونا بالصدق يستعمل في موضع الجواب يقال صدقت وبررت فإن ضم شيئا من هذه الثلاثة إلى الصلاح لا يكون إقرارا لأنه لا يصلح صفة للخبر ولا يستعمل في التصديق أصلا لا يقال صدقت وصلحت بل هو محكم في هذا المعنى فإذا ضم إليه ما هو محتمل من نص أو ظاهر وجب حمله على المحكم فلا يكون تصديقا بل يكون ردا لكلامه بابتداء أمر له باتباع الحق والصلاح وترك الدعوى الباطلة.
قوله:"ومثاله أيضا"أي نظير ترجيح الأعلى على الأدنى وترك الأدنى به أيضا قول علمائنا رحمهم الله فيمن تزوج امرأة إلى شهر بأن قال تزوجتك شهرا أو إلى شهر فقالت زوجت نفسي منك أنه متعة وليس بنكاح وقال زفر رحمه الله هو نكاح صحيح; لأن التوقيت شرط فاسد فإن النكاح لا يحتمل التوقيت, والشرط الفاسد لا يبطل النكاح بل يصح النكاح ويبطل الشرط كاشتراط الخمر واشتراط الخيار ثلاثة أيام وكالطلاق إلى شهر يوضحه أنه لو شرط أن يطلقها بعد شهر صح النكاح وبطل الشرط فكذا إذا تزوجها شهرا ولنا حديث عمر رضي الله عنه قال:"لا أوتى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمته ولو أدركته ميتا لرجمت على قبره1"والمعنى فيه أن النكاح إلى شهر كناية عن المتعة; لأن توقيت الملك بالمدة لا يكون إلا في المنافع التي تحدث في المدة وعقد المتعة حين كان مشروعا كان على المنفعة موقنا كالإجارة فلما قال إلى شهر وهذا لا يليق إلا في عقد
ـــــــ
1 أخرجه ابن ماجة في النكاح حديث رقم 1963.