كما ذهب إليه الأشعري1 وابن فورك2 فللابتلاء كما في إنزال المتشابه فيلزم مما ذكرنا أن لا يدل على كلا المعنيين بالوضع خلافا لقوم لما سنذكر, واعلم أن النزاع فيما إذا أريد به كل واحد من معنييه لا المجموع من حيث هو مجموع, فإنه غير متنازع فيه والفرق بينهما ثابت إذ من شرط الإرادة الخطور بالبال, ويجوز أن يكون مريدا لهذا ولذاك ويكون غافلا عن المجموع من حيث هو مجموع لغفلته عن الهيئة الاجتماعية التي هي أحد أجزاء المجموع من حيث هو مجموع, ويتضح الفرق بأن في اعتبار الجمعية يصير كل واحد من المعنيين جزء المعنى وبدون هذا الاعتبار يصير كل واحد كأنه هو المعنى بتمامه ألا ترى أنك لو قلت كل من دخل داري فله درهم يستحق كل داخل درهما ولو قلت جميع من دخل داري فله درهم فيستحق جميع الداخلين درهما واحدا, وإذا عرفت هذا فاعلم أنه يجوز عند الشافعي وأبي بكر الباقلاني3 وجماعة من المعتزلة كالجبائي4 وعبد الجبار5 وغيرهم أن يراد بالمشترك كل واحد من معنييه أو معانيه بطريق الحقيقة إذا صح الجمع بينهما كاستعمال العين في الباصرة والشمس لا كاستعمال القرء في الحيض والطهر معا أو استعمال أفعل في الأمر بالشيء والتهديد عليه; لأنه يمتنع الجمع بينهما, إلا عند الشافعي وأبي بكر متى تجرد المشترك عن القرائن الصارفة إلى أحد معنييه وجب حمله على المعنيين كسائر الألفاظ العامة, وعند الباقين لا يجب فصار العام عندهما قسمين قسم متفق الحقيقة وقسم مختلفها. وعند بعض المتأخرين يجوز إطلاقه عليهما مجازا لا حقيقة, وعند أصحابنا وبعض المحققين من أصحاب الشافعي وجميع أهل اللغة وأبي هاشم وأبي عبد الله البصري6 لا يصح ذلك حقيقة ولا مجازا, فمن جوز ذلك حقيقة تمسك بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] فقيل
ـــــــ
1 هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري إمام أهل السنة في العقائد ولد في سنة 260 وقيل 270 هـ توفي سنة 330 هـ.
2 هو أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني الشافعي المتكلم الشعري الفقيه والأصولي توفي سنة 406 هـ.
3 هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد الباقلاني توفي سنة 403 هـ.
4 هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي ولد سنة 235 هـ.
5 هو القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني الاستراباذي أبو الحسن 325 - 415 هـ فقيه أصولي متكلم معتزلي ومفسر.
6 هو أبو عبد الله الحسين بن عبد الله البصري المعتزلي المتوفى سنة 367 هـ.