المولى لئلا يتوهم عطفه على مفهومات العين فيفسد المعنى إذا; ولأن المغايرة بين الشيئين قد تكون على وجه يكون بينهما غاية الخلاف كالضدين وقد لا تكون كذلك ولا يبعد أن يذهب الوهم إلى أن اللفظ إذا دل على شيء لا يجوز أن يدل على ضده لغاية البعد بينهما بخلاف القسم الآخر ألا ترى أنه لا يقبل العموم بالاتفاق فالشيخ أزال ذلك الوهم بإيراد هذين النظيرين وبين أن الاشتراك يثبت في النوعين جميعا, ثم لما بين أن لا عموم للمشترك أورد نظيرا من هذا الجنس, وهو الصريم توضيحا لما ادعاه إذ هو أشد دلالة على انتفاء العموم; لأن أحدا لم يقل بالعموم في مثل هذا المشترك كما سنبينه; ولهذا قال على الاحتمال لا على العموم. واعلم أن الاشتراك خلاف الأصل, والمراد به أن اللفظ إذا دار بين الاشتراك وعدمه كان الأغلب على الظن عدمه; لأن الاشتراك يخل بالفهم في حق السامع لتردد الذهن بين مفهوماته, وقد يتعذر عليه الاستكشاف إما لهيبة المتكلم أو للاستنكاف من السؤال فيحمله على غير المراد فيقع في الجهل وربما ذكره لغيره فيصير ذلك سببا لجهل جمع كثير, ومن هذا قيل السبب الأعظم في وقوع الأغلاط حصول اللفظ المشترك, وكذا في حق القائل; لأنه يحتاج في تفسيره إلى أن يذكره باسم خاص فيقع تلفظه بالمشترك عبثا.
ولأنه ربما ظن أن السامع تنبه للقرينة الدالة على المراد مع أن السامع لم يتنبه لها فيتضرر كمن قال لعبده أعط فلانا عينا, وأراد به خبزا أو شيئا آخر من الأعيان فأعطاه دينارا فيتضرر السيد, فهذا يقتضي امتناع الوضع كما ذهب إليه جماعة, ولكن وقوعه لما أبى ذلك بقي اقتضاء المرجوحية, وهو المعني بكونه غير أصل, يوضح ما ذكرنا أن لكل فرد من أفراد المشترك اسما خاصا آخر به يصير اللفظ المشترك مرادفا لذلك المعنى من غير عكس ولكنه إنما وقع إما لغفلة من الواضع إن كانت اللغات اصطلاحية كما ذهب إليه أبو هاشم وأتباعه1 بأن نسي وضعه الأول, وقد اشتهر في قوم فوضعه ثانيا لمعنى آخر واشتهر في آخرين ثم تراضى الكل على الوضعين أو لاختلاف الواضعين بأن ما وضعه واضع لمعنى وضعه آخر لآخر ثم اشتهر كلامهما بين الأقوام أو للقصد إلى تعريف الشيء لغيره مجملا غير مفصل إذ هو مقصود في بعض الأحوال كالتفصيل في عامة الأحوال ألا ترى أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كيف أجمل على الكافر الذي سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت ذهابهما إلى الغار وقال من هو فقال هو رجل يهديني السبيل2. وإن كانت توقيفية
ـــــــ
1 هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي المعتزلي المعروف تنسب إليه فرقة البهشمية توفي سنة 321 هـ.
2 أخرجه البخاري في مناقب الأنصار 5/79 والإمام أحمد 3/122, 211, 387.