فصار اسما لعبادة معلومة مجازا لما فيه من قوة العزيمة والقصد بقطع المسافة وكذلك نظائرها من العمرة والزكاة حتى صارت الحقيقة مهجورة وإنما صار هذا دلالة على ترك الحقيقة لأن الكلام موضوع لاستعمال الناس وحاجتهم فيصير المجاز باستعمالهم كالحقيقة ومثاله ما قال علماؤنا رحمهم الله فيمن نذر صلاة أو حجا أو المشي إلى بيت الله أو أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة ينصرف إلى
ـــــــ
قوله"وكالحج فإنه قصد في اللغة"الحج القصد ومنه المحجة للطريق والحجة لأنها تقصد وتعتمد أو بها يقصد الحق المطلوب قال المخبل السعدي:
واشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا.
أي يقصدونه ويختلفون إليه. والسب العمامة والزبرقان لقب حصين بن بدر الفزاري وهو في الأصل القمر ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك المعروف.
وكذلك نظائرها من العمرة. العمرة اسم من الاعتمار كالعبرة من الاعتبار وأصلها الزيارة يقال اعتمر أي زار. وفي المغرب أصلها القصد إلى مكان عامر ثم غلبت على هذه العبادة المعلومة وهي الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير والزكاة هذا التركيب يدل على الطهارة قال تعالى {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} "التوبة:103"قيل وتطهرهم ويقال فلان زكى نفسه أي مدحها وطهرها عن رذائل الأخلاق, وعلى الزيادة والنماء وهو الظاهر يقال زكا الزرع يزكو زكاة أي نما ثم سمي بها القدر الذي يخرج من المال إلى الفقراء لأن إخراجه سبب لنماء المال واليمن والبركة فيه ولطهارة مؤديه عن الآثام وغلب استعمالها فيه بحيث صارت الحقيقة مهجورة. حتى صارت الحقيقة مهجورة فإنه لو حلف أن يصلي أو يحج أو يعتمر أو يزكي لم يلزم عليه إلا العبادات المعهودة ولا يخرج عن العهدة بمباشرة حقائقها اللغوية. وإنما صار هذا أي استعمال اللفظ في معناه المجازي واستفاضته فيه دلالة على ترك الحقيقة لأن الكلام موضوع للإفهام والمطلوب به ما يسبق إليه الأوهام فإذا تعارف الناس استعماله لشيء عينا كان بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه وما سواه لعدم العرف كالمجاز لا يتناوله الكلام إلا بقرينة. وهذا كاسم الدراهم يتناول نقد البلد عند الإطلاق لوجود العرف الظاهر في التعامل به ولا يتناول غيره إلا بقرينة لترك التعامل به وإن لم يكن بين النوعين فرق فيما وضع الاسم له حقيقة كذا ذكر شمس الأئمة رحمه الله
قوله"أو المشي إلى بيت الله"إذا قال علي المشي إلى بيت الله لزمه حجة أو عمرة والخيار إليه استحسانا وفي القياس لا يلزمه شيء لأن الإلزام بالنذر إنما يصح إذا كان من