والكفر حمل على إمكان الفعل وإقداره عليه مجازا لأن الأمر للإيجاب فكان من المعنيين اتصال ومثاله من دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى أنه يتعلق به لما في غرض المتكلم من بناء الجواب عليه وكذلك امرأة قامت لتخرج فقال لها
ـــــــ
لا يليق بكرمه وحكمته أن يطلب من عدوه إبليس أن يستفز عباده, حمل على إمكان الفعل أي تمكينه منه وإقداره أي جعله قادرا عليه مجازا بطريق أن الأمر الموجب يقتضي تمكن العبد من الفعل وقدرته عليه أعني قدرة سلامة الآلات وصحة الأسباب لأن تكليف ما ليس في الوسع غير جائز فاستعير الأمر للإقدار والتمكين الذي هو من لوازم الأمر كاستعارة الأسد للشجاع فصار المعنى أني أمكنتك وأقدرتك على تهييجهم ودعائهم إلى الشر. وقوله لأن الأمر للإيجاب أو للإيجاد كما في بعض النسخ فكان بين المعنيين أي الإيجاب والإقدار يشير إلى ما ذكرنا يعني لما كان الأمر للإيجاب ولا إيجاب بدون القدرة كان بين الإيجاب والإقدار اتصال لكون القدرة من لوازم صحة الإيجاب فيجوز استعارته للإقدار
قوله"ومثاله"أي نظير ما تركت الحقيقة بدلالة حال المتكلم من الفروع قوله والله لا أتغدى جوابا لمن دعاه إلى الغداء فقال تعال تغد معي فإن حقيقة هذا الكلام للعموم لدلالته لغة على مصدر منكر واقع في موضع النفي إذ التقدير لا أتغدى تغديا فيقتضي أن يحنث بكل تغد يوجد بعد كما لو قاله ابتداء إلا أن هذه الحقيقة تركت بدلالة حال المتكلم لأن من المعلوم أنه أخرج الكلام مخرج الجواب لكلام الداعي وأنه قد دعاه إلى تغدي الفداء الذي بين يديه لا إلى غيره فيقيد به وإذا تقيد كلام الداعي به يقيد الجواب به أيضا لأنه بناء عليه وصار كأنه قال والله لا أتغدى الفداء الذي دعوتني إليه وقس على ما ذكرنا مسألة الخروج. ومن أمثلته ما لو قالت له زوجته إنك تغتسل في هذه الدار الليلة من الجنابة فقال إن اغتسلت فعبدي حر وسيأتي بيانه وهذا النوع من اليمين سبق به أبو حنيفة رحمه الله ولم يسبق به وكانوا يقولون قبل ذلك اليمين مؤبدة كقوله لا أفعل كذا ومؤقتة كقوله لا أفعل اليوم كذا فأخرج أبو حنيفة قسما ثالثا وهو ما يكون مؤبدا لفظا وموقتا معنى وأخذه من حديث جابر وابنه حيث دعيا إلى نصرة إنسان فحلفا أن لا ينصراه ثم نصراه بعد ذلك ولم يحنثا وبناء الكلام على ما هو معلوم من مقصود المتكلم أصل في الشرع والعرف لما بينا في قوله تعالى {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ} "الإسراء: 64"إنه محمول على الإقدار والتمكين لاستحالة الأمر بالمعصية من الله تعالى ولاتفاقهم على أن قول الداعي اللهم اغفر لي التماس لا أمر لمعنى في المتكلم وهو أن العبد ليس له ولاية الإلزام فكان المقصود منه الالتماس ضرورة