ومن هذا الباب قول النبي عليه السلام:"إنما الأعمال بالنيات"ورفع الخطأ والنسيان سقطت حقيقته لأن المحل لا يحتمله من قبل أن غير الخطأ غير مرفوع بل هو متصور فسقط حقيقته وصار ذكر الخطأ والعمل مجازا عن حكمه وموجبه وموجبه نوعان مختلفان أحدهما الثواب في الأعمال التي تفتقر إلى النية والمأثم في الحرمات والثاني الحكم المشروع فيه من الجواز والفساد وغير ذلك وهذان معنيان مختلفان ألا ترى أن الجواز والصحة يتعلق بركنه وشرطه والثواب أو المأثم يتعلق بصحة عزيمته فإن من توضأ بماء نجس ولم يعلم حتى صلى ومضى على ذلك ولم يكن مقصرا لم يجز في الحكم لفقد
ـــــــ
المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} "يوسف: 82"فصار كأنه قيل حكم الأعمال بالنيات ورفع حكم الخطأ ثم ما صار هذا الكلام عبارة عنه وهو الحكم له معنيان مختلفان أحدهما ما يتعلق بالآخرة وهو الثواب في الأعمال التي يحتاج إلى النية على ما تضمنه الحديث الأول والإثم في الأفعال المحرمة على ما دل عليه الحديث الثاني فإنه وارد في المحرمات
والثاني ما يتعلق بالدنيا وهو الحكم المشروع في ذلك المحل مثل الجواز في الأعمال المنوية والفساد في الأفعال المحرمة وغير ذلك من الندب والكراهة والإساءة والدليل على اختلاف المعنيين أن الثواب على العمل الذي هو عبادة والإثم في العمل الذي هو محرم يبتني على العزيمة والقصد, والفساد الذي هو حكم يبتني على الأداء بالأركان والشرائط إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
وإذا ثبت اختلاف المعنيين صار هذا اللفظ بمنزلة المشترك كاسم المولى والقرء فلا يجوز احتجاج الخصم به علينا في اشتراط النية في الوضوء وفي عدم فساد الصوم بالخطأ والإكراه حتى يقيم دليلا على أن المراد منه ليس إلا ما يتعلق بالدنيا من الصحة والفساد ولا يمكنه ذلك لأن ما يتعلق بالآخرة وهو الثواب والمأثم مراد بالإجماع لأن استحقاق الثواب متعلق بالعزم والإثم في الخطأ والنسيان والإكراه مرفوع بالاتفاق أو يقيم دليلا على جواز العموم في المشترك ولا يمكنه ذلك أيضا لما مر في أول الكتاب
"فإن قيل"لو كان المراد حكم الآخرة لا غير لم يكن لقوله من أمتي فائدة لأن عدم المؤاخذة في الآخرة يعم جميع الأمم إذ لا يجوز في الحكمة تعذيبهم