ـــــــ
وصف العين بالحرمة حقيقة كما يصح وصف الفعل بها ومعنى اتصافها بها خروجها من أن يكون محلا للفعل شرعا كما أن معنى وصف الفعل بالحرمة خروجه من الاعتبار شرعا فإذا أمكن العمل بحقيقته لا معنى للإضمار لأنه ضروري يصار إليه عند تعذر العمل بظاهر اللفظ ولأن الحرمة عبارة عن المنع قال تعالى {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} "القصص: 12"أي منعنا وقال جل جلاله. {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} "الأعراف: 50"أي منعهم شراب الجنة وطعامها ومنه حرم مكة لمنع الناس عن الاصطياد فيه وغيره وحريم البئر لمنع الغير عن التصرف في حواليها فيوصف الفعل بالحرمة على معنى أن العبد منع عن اكتسابه وتحصيله فيصير العبد ممنوعا والفعل ممنوعا عنه وتوصف العين بالحرمة على معنى أن العين منعت عن العبد تصرفا فيها فيصير العين ممنوعة والعبد ممنوعا عنها فعرفنا أن وصف العين بالحرمة صحيح وأن المنع نوعان منع الرجل عن الشيء كقولك لغلامك لا تأكل هذا الخبز وهو موضوع بين يديه ومنع الشيء عن الرجل بأن رفع الخبز من يديه أو أكل فإذا أضيف التحريم إلى الفعل كان من قبيل النوع الأول وإذا أضيف إلى العين كان من النوع الثاني ونظيرهما الحفظ والحماية فإن الحماية أن يظهر أثرها في الحمى بدفع الأغيار عنه ويكون فعل الحامي في القاصد لذلك المحمي لا في عينه فيبقى المحمي على أصل الصيانة. والحفظ أن يظهر أثره في المحفوظ بصنع في المحفوظ لا في دفع القاصد إلا أن اندفاع القاصد عنه لعدم إمكان الوصول إليه فيحصل الصيانة. ومنه قول الشاعر:
ألا ذهب المحافظ والمحامي ... ومانع ضيمنا يوم الخصام
ذكر هذين الأمرين جميعا فكان المقصود حاصلا في الحالين وهو الصيانة ودفع الضرر عن صاحب المال لكن بطريقين مختلفين فكذلك ما نحن فيه كذا في شرح التأويلات وهذا النوع من التحريم في غاية التوكيد لانتفاء الفعل فيه بالكلية وانقطاع تصوره أصلا فإن من قال لعبده لا تشرب الماء الذي في هذا الكوز يحتمل أن يشربه لبقاء المحل والقدرة عليه فأما إذا صبه المولى بعد النهي أو شربه كان الانتفاء فيه أقوى لانقطاع ذلك الاحتمال بفوات المحل فإذا أمكن تحقيق إضافة التحريم إلى العين واتصافها بالحرمة بالطريق الذي قلنا كان جعل ذلك مجازا باعتبار عدم قبول المحل صفة الحرمة والحل كما زعموا خطأ فاحشا وذكر في الميزان وإنما أنكرت المعتزلة حرمة الأعيان احترازا عن مناقضة مذهبهم الفاسد في نفي خلق أفعال العباد عن الله تعالى بقولهم إن منها ما يوصف بالقبح والحرمة مثل الكفر والمعاصي ولا يجوز نسبة خلق القبيح إلى الله تعالى فيلزمهم خلق الأعيان القبيحة المستقذرة من الأنجاس والجعلان والخنافس والقردة والخنازير ونحوها فأنكروا قبح الأعيان. وقالوا إنها ليست بقبيحة وأنكروا المحسوس والثابت ببداية العقول