اختلافهم راجع إلى ذكر الطلقات متعاقبة يتصل الأول بالشرط على التمام والصحة ثم الثاني والثالث ما موجبه فقال أبو حنيفة رحمه الله موجبه الافتراق لأن الثاني اتصل بالشرط بواسطة والثالث بواسطتين والأول بلا واسطة فلا يتغير هذا
ـــــــ
والجملة الأولى تامة لوجود الشرط والجزاء وقوله وطالق جملة ناقصة لأنه بغير شرط فيصير ما يتم به الأولى وهو الشرط شرطا للثانية لتصير كاملة ولهذا تعلقت الثانية والثالثة بالشرط ولم تقعا في الحال ولما ساوت الثانية والثالثة الأولى في التعليق بالشرط وليس بين الأجزئة ما يوجب صفة الترتيب إذ الواو لا توجب ذلك وتعلقت غير موصوفة بالترتيب وقعن كذلك كما لو كرر الشرط بأن قال إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالق أو قدم الجزاء كما ذكرنا إذ الجزاء يتأخر عن الشرط قدم الشرط عليه أو أخره ذكرا
وكما لو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق تطليقة ونصفا فدخلت الدار تطلق ثنتين ولا فرق بين تطليقة ونصف تطليقة إذ الطلاق لا نصف له ولا يلزم ما إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها أنت طالق وطالق وطالق فإنها تطلق واحدة لا ثلاثا خلافا لأحمد بن حنبل وبعض أصحاب مالك والليث بن سعد1 وربيعة2"وابن"أبي ليلى لأن أزمنة الوقوع متفرقة فلا تقع مجتمعة فتبين بالأول فلا يصح الثاني وفيما نحن فيه زمان الوقوع زمان وجود الشرط ولم يوجد منه تفريق بعد الشرط ألا ترى أنه لو أرسل فقال أنت طالق واحدة لا بل ثنتين لم تطلق إلا واحدة ولو علق ثم وجد الشرط طلقت ثلاثا كذا في الأسرار وذكر بعض مشايخنا في بيان قولهما إن عطف الجملة الناقصة على الكاملة يوجب إعادة ما في الكاملة لتصير الناقصة كاملة أيضا بخلاف عطف الكاملة على مثلها ألا ترى أنه لو قال لامرأتيه هذه طالق ثلاثا وهذه طلقت الأخرى ثلاثا لأن خبر الأولى يصير معادا في حقها بخلاف ما لو قال هذه طالق ثلاثا وهذه طالق حيث تطلق الأخرى واحدة لأنها مفيدة بنفسها فلا تقتضي ذكر الخبر مرة أخرى.
وكذلك لو قال جاءني زيد وعمرو أو قال مررت بالبصرة والكوفة يصير المجيء والمرور مذكورين مرة أخرى لا طريق له إلا ذلك فكذلك ههنا قوله وطالق ناقص لا شرط
ـــــــ
1 هو الليث بن سعد بن عبدالرحمن الفهمي أبو فقيه مصر ولد سنة 94ه.توفي سنة 175ه أنظر وفيات الأعيان 4/127-128.
22 هو ربيعة بن أبي عبدالرحمن فروخ التيمي المعروف بريعة الرأي توفي سنة 136ه أنظر التهذيب 3/258-259.