سبيل المقابلة بالمحاربة والمحاربة معلومة بأنواعها عادة بتخويف أو أخذ مال أو قتل أو قتل وأخذ مال فاستغنى عن بيانها واكتفى بإطلاقها بدلالة تنويع الجزاء فصارت أنواع الجزاء مقابلة بأنواع المحاربة فأوجب التفضيل والتقسيم على حسب أحوال الجناية وتفاوت الأجزية وقد ورد بيانه على هذا المثال
ـــــــ
وليا فقد بارزني بالمحاربة1"أو ذكر اسم الله للتبرك وتشريف الرسول عليه السلام كما في قوله تعالى {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} "الأنفال:41"والمراد محاربة رسول الله ومحاربة المؤمنين في حكم محاربته {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} "المائدة 33"أي مفسدين أو لأن سعيهم لما كان على طريق الفساد نزل منزلة ويفسدون فانتصب فسادا على المعنى . ويجوز أن يكون مفعولا له أي للفساد والسعي هو المشي بسرعة واستعير في الكسب والتصرف لأنه يحصل به غالبا والمراد بالآية قطاع الطريق عند عامة أهل التفسير {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} ذهب الحسن والنخعي وسعيد بن المسيب ومالك إلى أن الإمام بالخيار في العقوبات المذكورة في حق كل قاطع طريق كذا في الكشاف"والمبسوط"وأشير في"شرح التأويلات"إلى أنه بالخيار بين القتل والصلب والقطع في كل نوع من أنواع قطع الطريق عندهم ولكن لا يجوز له الاقتصار على النفي لأن من أثبت التخيير لم يجعل النفي جزاء على حدة بل حمل كلمة"أو"في قوله {أَوْ يُنْفَوْا} "المائدة:33"على الواو والنفي على القتل فكان بمعناه وينفوا من الأرض بالقتل والصلب قالوا كلمة أو للتخيير بحقيقتها فيجب العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز لأن قطع الطريق في ذاته جناية واحدة وهذه الأجزية ذكرت بمقابلتها فيصلح كل واحد جزاء له فيثبت التخيير كما في كفارة اليمين ولكنا نقول لا يمكن القول بالتخيير ههنا لأن الجزاء على حسب الجناية يزداد بزيادتها وينتقص بنقصانها قال الله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} "الشوري:40"فيبعد أن يقال عند غلظ الجناية يعاقب بأخف الأنواع وعند خفتها بأغلظ الأنواع تقريره أن الأمة أجمعت على أن القاتل أو آخذ المال لا يجازى بالنفي وحده وإن كان ظاهر الآية يقتضي التخيير بين الأجزية الأربعة في الكل فدل أنه لا يمكن العمل بظاهر التخيير كذا في شرح"التأويلات""
ثم المحاربة أنواع كل نوع منها معلوم من تخويف أو أخذ مال أو قتل نفس أو جمع بين القتل وأخذ المال وهذه الأنواع تتفاوت في صفة الجناية والمذكور أجزية متفاوتة في معنى التشديد فوقع الاستغناء بتلك المقدمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصا وهذا التقسيم ثابت بأصل معلوم وهو أن الجملة إذا قوبلت بالجملة
ـــــــ
1 أخرجه البخاري في الرقاق باب رقم 38 .