طرفي الإثبات والنفي أعني في إثبات المسمى ونفي ما لا ينطلق عليه الاسم فعلى هذا حده اللفظ الذي يفهم منه على القطع معنى فهو بالإضافة إلى معناه المقطوع به نص, ويجوز أن يكون اللفظ الواحد نصا وظاهرا ومجملا لكن بالإضافة إلى ثلاثة معان لا إلى معنى واحد.
الثالث التعبير: بالنص عما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا يخرج اللفظ عن كونه نصا فكان شرط النص بالوضع الثاني أن لا يتطرق إليه احتمال أصلا وبالوضع الثالث أن لا يتطرق إليه احتمال مخصوص, وهو المعتضد بدليل ولا حجر في إطلاق النص على هذه المعاني الثلاثة لكن الإطلاق الثاني أوجه وأشهر وعن الاشتباه بالظاهر أبعد, فظهر بهذا أن موجب الظاهر والنص على التفسير الذي اختاره مشايخنا ظني عند أصحاب الشافعي فأما على التفسير الذي اختاروه فقطعي كالمفسر."وقوله إلا أن هذا"أي النص استثناء منقطع من المساواة التي دل عليها قوله, وكذا الثاني فيكون بمعنى لكن, أولى منه أي من الظاهر; لأن النص لما كان أوضح بيانا كان العمل به أولى; ولأن فيه جمعا بين الدليلين بخلاف العكس لإمكان حمل الظاهر على معنى يوافق النص من غير عكس; ولأنا إنما لم نعتبر الاحتمال الذي في الظاهر لعدم دليل يعضده فلما تأيد ذلك الاحتمال بمعارضة النص وجب حمله عليه. ونظير التعارض بين الظاهر والنص من الكتاب قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] , مع: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] , فإن الأول ظاهر عام في إباحة نكاح غير المحرمات فيقتضي بعمومه وإطلاقه جواز نكاح ما وراء الأربع والثاني نص يقتضي اقتصار الجواز على الأربع فيتعارضان فيما وراء الأربع فيرجح النص ويحمل الظاهر عليه, ومن السنة قوله عليه السلام:"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"1 مع قوله عليه السلام:"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"2 فالأول ظاهر في نفي الجواز عام في كل صلاة; لأن لا هذه لنفي الجنس فيتناول صلاة المقتدي والمنفرد والثاني نص; لأنه أشد وضوحا في إفادة معناه من الأول; لأن استعمال لا لنفي الفضيلة واستعمال العام في بعض مفهوماته شائع ذائع فيتعارضان في حق المقتدي فيعمل بالنص ويحمل الأول على المنفرد أو على نفي الفضيلة.
ـــــــ
1 أخرجه النابلسي في المواريث 1/281 - 282.
2 أخرجه أحمد وابن ماجه عن جابر رضي الله عنه مرفوعا.