والتحريم نص للفصل من البيع والربا لأنه سيق الكلام لأجله فازداد وضوحا بمعنى من المتكلم لا بمعنى في صيغته وحكم الأول ثبوت ما انتظمه يقينا وكذلك الثاني إلا أن هذا عند التعارض أولى منه.
ـــــــ
قوله:"وحكم الأول", وهو الظاهر ثبوت ما انتظمه يقينا عاما كان أو خاصا وكذا الثاني, وهو النص عاما كان أو خاصا, وهو مذهب مشايخ العراق من أصحابنا منهم الشيخ أبو الحسن الكرخي1 وأبو بكر الجصاص وإليه ذهب القاضي أبو زيد ومن تابعه وعامة المعتزلة وقال عامة مشايخ ديارنا منهم: الشيخ أبو منصور رحمه الله حكم الظاهر وجوب العمل بما وضع له اللفظ ظاهرا لا قطعا ووجوب اعتقاد حقية ما أراد الله تعالى من ذلك وكذا حكم النص وبه قال أصحاب الحديث وبعض المعتزلة وهو بناء على أن العام الخالي من قرينة الخصوص يوجب العلم والعمل قطعا عندنا وعندهم بخلافه لاحتمال الخصوص في الجملة وكذا كل حقيقة محتمل للمجاز ومع الاحتمال لا يثبت القطع كذا في الميزان, وحاصله أن ما دخل تحت الاحتمال. وإن كان بعيدا لا يوجب العلم بل يوجب العمل عندهم كخبر الواحد والقياس وعندنا لا عبرة للاحتمال البعيد, وهو الذي لا تدل عليه قرينة; لأن الناشئ عن إرادة المتكلم, وهي أمر باطن لا يوقف عليه والأحكام لا تتعلق بالمعاني الباطنة كرخص المسافر لا تتعلق بحقيقة المشقة والنسب بالأعلاق والتكليف باعتدال العقل لكونها أمورا باطنة بل بالسفر الذي هو سبب المشقة والفراش الذي هو دليل الأعلاق والاحتلام الذي هو دليل اعتدال العقل وسيأتي بيان هذا بعد إن شاء الله تعالى, وذكر الغزالي رحمه الله في المستصفى الظاهر هو الذي يحتمل التأويل والنص هو الذي لا يحتمله ثم قال النص يطلق في تعريف العلماء على ثلاثة أوجه: الأول ما أطلقه الشافعي, فإنه سمى الظاهر نصا فهو منطلق على اللغة ولا مانع في الشرع والنص في اللغة بمعنى الظهور تقول العرب نصت الظبية رأسها إذا رفعت وأظهرت فعلى هذا حده حد الظاهر, وهو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع فهو بالإضافة إلى ذلك المعنى الغالب ظاهر ونص. الثاني: وهو الأشهر هو ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا لا على قرب ولا على بعد كالخمسة مثلا, فإنه نص في معناه لا يحتمل شيئا آخر فكل ما كانت دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالإضافة إلى معناه نصا في
ـــــــ
1 هو أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي الفقيه الحنفي المولود سنة 260 هـ توفي سنة 340 هـ.