الكلام أصلا وإنما هو من العوارض فلا يصار إلى إلغاء الحقيقة والاقتصار على التوكيد إلا بضرورة بل هذه الباء للإلصاق وبيان هذا أن الباء إذا دخلت في آلة المسح كان الفعل متعديا إلى محله كما تقول مسحت الحائط بيدي فيتناول كله لأنه أضيف إلى جملته ومسحت رأس اليتيم بيدي وإذا دخل حرف الإلصاق في محل المسح بقي الفعل متعديا إلى الآلة وتقديره وامسحوا أيديكم برءوسكم أي ألصقوها برءوسكم فلا تقتضي استيعاب الرأس وهو غير مضاف إليه لكنه
ـــــــ
{تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} "المؤمنون: 20". وقوله عز اسمه {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} "البقرة: 195". أي لا تلقوا أيديكم كذا قاله عبد القاهر وإذا كانت مزيدة وجب مسح الكل كما لو قيل وامسحوا رءوسكم. قال وما قلناه وإن كان فيه عمل بالمجاز لكنه أحوط لأن فيه الخروج عن العهدة بيقين فكان الأخذ به أولى على أنا إن عملنا بحقيقتها فذلك يوجب الاستيعاب أيضا لأن الباء للإلصاق حقيقة وقد ألصق المسح بالرأس وهو اسم لكله لا لبعضه فيقتضي مسح جميع الرأس.
قوله"وقلنا نحن أما القول بالتبعيض فلا أصل له"أي القول بالتبعيض كلام عن تشه لا دليل عليه إذ لم يثبت عن أحد من نقلة اللغة أنها للتبعيض إنما الموضوع للتبعيض كلمة من فلو أفادت الباء التبعيض لوجب التكرار أي الترادف لدلالة اللفظين على معنى واحد. والاشتراك أيضا لأن الباء للإلصاق بالاتفاق فلو أفادت التبعيض لكان لفظ واحد دالا على معنيين مختلفين وكل منهما خلاف الأصل لما مر غير مرة. هذا رد لكلام القائلين بالتبعيض وقوله ولا يصار إلى إلغاء الحقيقة رد لقول مالك أي إذا أمكن العمل بالحقيقة لا يصار إلى إلغائها من غير ضرورة ولا ضرورة هاهنا فوجب العمل بالحقيقة وبأن جاز ترك الحقيقة في موضع لقيام الدليل لا يلزم منه تركه في موضع لا دليل عليه فكانت الباء على حقيقتها في هذه الآية كما هو أصلها.
"وبيان هذا"أي بيان أنها للإلصاق في الآية وأن التبعيض ثبت بطريق آخر لا بالباء أن المسح لا بد له من آلة ومحل فإذا دخلت الباء في الآلة كان الفعل متعديا إلى المحل ويصير المحل مفعول فعله فيتناول جميع المحل كقولك مسحت الحائط بيدي أو مسحت بيدي الحائط وإذا دخلت في المحل كان الفعل متعديا إلى الآلة ولهذا ظهر عمله فيها حتى انتصبت بذلك الفعل بالمفعولية فهذا لا يقتضي الاستيعاب وإنما يقتضي إلصاق الفعل بالمحل كله أو بعضه لكن بهذه الآلة. وإذا تقرر هذا صار تقدير الآية وامسحوا أيديكم برءوسكم فلا يقتضي هذا الكلام استيعاب الرأس بالمسح كما ظنه مالك. لأنه أي المسح غير مضاف إلى الرأس بل أضيف إلى اليد.