طلوع الفجر وحرف"ثم"للتراخي فتصير العزيمة بعد الفجر لا محالة لأن الليل لا ينقضي, إلا بجزء من النهار, إلا أنا جوزنا تقديم النية على الفجر بالسنة فأما أن يكون الليل أصلا فلا وفي إباحة أسباب الجنابة إلى آخر الليل إشارة إلى أن الجنابة لا تنافي الصوم فيمن أصبح جنبا ومن ذلك قوله تعالى إِطْعَامُ عَشَرَةِ
ـــــــ
الكفارة وإنما الوجوب مختص بالجماع عامدا; لأن النص ورد فيه وله مزية على غيره من محظورات الصوم لوجوه تذكر بعد فلا يمكن إلحاق الأكل والشرب به قياسا ولا دلالة لأنهما دونه فبقي وجوب الكفارة مختصا بالجماع فقال الشيخ في هذه الآية إشارة إلى استواء الكل في الحظر; لأنه تعالى ذكر المباشرة والأكل والشرب ليلائم الأمر بالكف عنهما جملة بقوله {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ} "البقرة: 187". أي الكف عن هذه الأشياء فكان حظر الكل بطريق واحد لثبوته بخطاب واحد فصار الركن هو الكف عنها جملة وصارت الجملة تقايض هذا الكف, كذا في الأسرار فلم يكن للجماع مزية على الأكل والشرب ولا اختصاص بالكفارة, وإذا وجبت الكفارة بالجماع وجبت بالأكل والشرب دلالة لاستواء الكل في الحظر والجناية على الصوم. ولا يلزم عليه الصلاة فإنها وجبت بخطاب واحد وهو قوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} "البقرة: 43"ثم تفاوتت أركانها في القوة والمزية حتى كان السجود أقوى من الركوع والقيام ولهذا قالوا بسقوط القيام والركوع عن القادر عليهما العاجز عن السجود.
لأنا نقول ثبت ذلك بقوله عليه السلام:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء1":"وقوله عليه السلام لثوبان حين سأله عن عمل يدخله الله به الجنة"عليك بكثرة السجود2"ولمن سأل مرافقته في الجنة"أعني على نفسك بكثرة السجود3"وبأن مبنى العبادة على التواضع والتذلل, والسجود هو النهاية في ذلك وغير ذلك ولم يوجد فيما نحن فيه دليل يوجب مزية الجماع على غيره فكان مساويا للأكل مع أن أركان الصلاة فيما يرجع إلى ذلك الخطاب وهو الوجوب متساوية أيضا."
على أنا لا نسلم أن أركانها تثبت بذلك الخطاب بل ثبت كل ركن بعد وجوب أصل الصلاة مجملا بخطاب على حدة مثل قوله تعالى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} "البقرة 238". {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} "الحج: 77" {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} "البقرة: 43". ونحوها.
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في الصلاة حديث رقم 482 وألو داود في الصلاة حديث رقم 875.
2 أخرجه مسلم في الصلاة حديث رقم 488 والترمذي في الصلاة حديث رقم 388.
3 أخرجه مسلم في الصلاة حديث رقم 489 أبو داود في الصلاة حديث رقم 1320.