لأنه غالب الوجود بالشهوة الداعية من الطرفين وأما هذا الفعل فقاصر بحاله; لأن الداعي إليه شهوة الفاعل فأما صاحبه فليس في طبعه داع إليه بل الطبع مانع ففسد الاستدلال بالكامل على القاصر في حكم يدرأ بالشبهات والترجيح بالحرمة باطل; لأن الحرمة
ـــــــ
لا بالقياس. والجواب لأبي حنيفة رحمه الله:"عن هذا"أي عما ذكرنا في جانبهما أنا لا نسلم صحة الاستدلال فإن من شرط المساواة بين المحلين في المعنى الموجب للحكم وهي معدومة ههنا; لأن المتنازع فيه قاصر عن المنصوص عليه في المعنى الذي تعلق الحكم به لوجهين: أحدهما: أن الحكم في الزنا إنما تعلق بسفح الماء على وجه يؤدي إلى فساد الفراش وإهلاك البشر حكما لا بمجرد السفح; لأن الولد يخلق من ماء الزنا ولا يمكن إيجاب تربيته على الزاني لعدم ثبوت النسب منه ولا على الأم لعجزها عن الكسب والإنفاق عليه, فيهلك; ولذا سمى تربيته إحياء قال عليه السلام:"من أخذ لقيطا فقد أحياه"ولهذا لو أكره الرجل الرجل بالقتل على الزناء لا يرخص له الإقدام حتى لو أقدم يأثم كما لو أكره على قتل إنسان, وفي اللواطة لم يوجد هذا المعنى وإنما وجد مجرد تضييع الماء وأنه قد يحل بالعزل في الأمة بغير إذنها وفي المنكوحة الحرة بإذنها والمنكوحة الأمة بإذنها أو بإذن مولاها. وليس فيه إفساد الفراش أيضا; لأن ذلك باشتباه النسب ولا تصور لذلك في الرجل إذ الرجل لا يتصور أن يكون فراشا فكان قاصرا ولا يجوز أن يجبر هذا النقصان بزيادة الحرمة من الوجه الذي قالا; لأن ذلك يكون مقايسة ولا مدخل لها في الحدود.
فإن قيل: لا نسلم أن الحكم تعلق بما ذكرتم فإنه لو زنى بعجوز أو بعقيم لا زوج لها يجب الحد ولم يوجد إفساد الفراش ولا إهلاك الولد. وكذا زناء الخصي يوجب الحد ولا ماء له ليؤدي إلى فساد الفراش وإهلاك الولد.
قلنا: المعتبر والمنظور إليه في أحكام الشرع الجنس لا الإفراد وجنس الزنا لا يخلو عن إفساد الفراش وإهلاك الولد بل هو الغالب فيه على أن محلية الماء لا ينعدم أصلا في العجوز والعقيم فإن حرمة المصاهرة تثبت بوطئهما وكذا الخصي لا ينعدم فيه أهلية الماء ولهذا يثبت النسب منه ولو انعدم الماء أصلا لا يثبت النسب منه كما في الصبي.
والثاني: أن الزنا كامل بحال إلى آخر ما ذكره الشيخ في الكتاب. وتقريره بعبارة الإمام البرغري أن الحدود شرعت زواجر عن الإقدام على الجنايات وإنما يحتاج إلى الزاجر الشرعي فيما يميل الطبع إليه, فأما فيما ينزجر الإنسان عنه بطبعه فلا يحتاج فيه إلى الزاجر الشرعي كشرب البول لا يوجب الحد لما ذكرنا والحاجة إلى الزاجر في اللواطة ليست كالحاجة إلى الزاجر في الزنا. أما في جانب المفعول فلأن الحد لو وجب عليه إنما يجب