والنفل شرع دائما فلذلك جعلناه من العزائم ولذلك صح قاعدا وراكبا; لأنه ما شرع بلازم العجز لا محالة فلازم اليسر, وهذا القدر من جنس الرخص وقال الشافعي رحمه الله لما شرع النفل على هذا الوصف وجب أن يبقى كذلك غير لازم وقد غيرتم أنتم وقلت إن ما لم يفعل بعد فهو مخير فيه فبطل المؤدى
ـــــــ
الأمر إياها فإن الأمر إنما وقع على الأدنى, ولم ينصرف إلى ما فوقه; لأنه لم يكن مقداره معلوما في نفسه فإذا أتى به فقد صار مقدارا معلوما فأمكن صرف الأمر إليه كذا ذكره أبو اليسر.
فأما الأمر بالصلاة فيتناول أفعالا مقدرة فالزيادة عليها لا تدخل تحت الأمر بحال فلا تقع فرضا."ولذلك جعلناه من العزائم"أي; ولأن النفل شرع دائما جعلناه من العزائم; لأن دوام شرعيته يدل على وكادته وأصالته, إذ لو بني على أعذار العباد لشرع في وقت العذر لا دائما. ولا يقال لا نسلم أنه شرع دائما لأنه منهي عنه في الأوقات الثلاث وبعد الفجر والعصر.; لأنا نقول هو مشروع في هذه الأوقات مع كونه منهيا عنه حتى لو شرع فيه, وأفسده يجب القضاء عليه في الأصح. ولذا صح قاعدا أي ولأجل أنه شرع دائما صح أداؤه قاعدا مع القدرة على القيام. لو راكبا مع القدرة على النزول بالإيماء. وإن لم يكن متوجها إلى القبلة; لأن النفل على الوصف الذي شرع, وهو وصف الدوام يلازم العجز والحرج فلا يمكن إقامته آناء الليل والنهار قائما; لأنه يعترض عليه الحوادث من المرض والضعف والحاجة إلى الركوب ونحوها باعتبار الأصل تعتبر هذه العوارض في الحال إذ لو لم تعتبر العوارض أدى إلى الحرج فلذلك جوزنا الأداء على أي وصف نشط قائما وقاعدا وراكبا. وهذا القدر أي شرعية الأداء قاعدا أو راكبا من غير عذر من جنس الرخص; لأن العذر قدر موجودا باعتبار الأصل فكان شرعيته بناء عليه فكان له شبهة بالرخصة من هذا الوجه. وكأنه أخر ذكره عن سائر أقسام العزائم; لأنه لم يخلص عزيمة.
قوله"وقال الشافعي"إلى آخره إذا شرع في صلاة النفل أو في صوم النفل يؤاخذ بالمضي فيه, ولو لم يمض يؤاخذ بالقضاء عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يؤاخذ بواحد منهما; لأن النفل للشرع على هذا الوصف, وهو أنه غير لازم حتى يثاب على فعله, ولا يعاقب على تركه وجب أن يبقى كذلك بعد الشروع. ولا يصير لازما; لأن حقيقة الشيء لا يتغير بالشروع ألا ترى أنه بعد الشروع نفل كما كان قبله, ولهذا يتأدى بنية النفل, ولو أتمه كان مؤديا للنفل لا مسقطا للواجب, ولا يمنع صحة الخلوة ويباح الإفطار بعذر الضيافة, ولو صار فرضا لما ثبتت هذه الأحكام. وإذا كان نفلا حقيقة وجب أن يكون مخيرا في الباقي كما كان مخيرا في الابتداء تحقيقا للنفلية; لأن آخره من جنس أوله. وقد غيرتم أنتم