حكما له كالمظنون وقلنا نحن إن ما أداه فقد صار لغيره مسلما إليه وحق غيره محترم مضمون عليه إتلافه ولا سبيل إليه إلا بالإلزام الباقي, وهما أمران متعارضان
ـــــــ
حيث قلتم باللزوم في الباقي."وقلت"أنا إن ما لم نفعل بعد أي بعد ما أدى جزءا منه. وهو مخير فيه أي فيما لم يؤد; لأنه نفل فيكون على وفق الابتداء فمن أخرج عشرة دراهم للتصدق نفلا فتصدق بدرهم وسلم كان بالخيار في الباقي, وكذا إذا تصدق, ولم يسلم كان الخيار في التسليم فكذا إذا صلى ركعة كان بالخيار في الركعة الأخرى. وإذا ثبت له الخيار في الباقي وحل له ترك ما لم يأت به; لأنه لم يلتزمه يبطل المؤدى ضمنا له وتبعا لترك ما ليس عليه فلا يكون إبطالا حكما كمسافر صلى الظهر لا يحل له إبطالها لكن يحل له إقامة الجمعة ثم الظهر يبطل حكما لما جعل ذلك إليه وحل له, وكمن أحرق حصائد أرض نفسه فاحترق زرع جاره أو سقى نفسه فنزت أرض جاره لا يجعل ذلك إتلافا; لأنه ثبت تبعا لما هو حلال له. ولما كان بطلان المؤدى أمرا حكميا لا بصنعه لا يضمن بالقضاء كالمظنون, وهو ما إذا شرع في صلاة أو صوم على ظن أنه عليه فتبين أنه ليس عليه يصير شارعا في النفل بالاتفاق, ولو أفسده لا يجب عليه القضاء لما ذكرنا أنه مخير في الأداء, وإن البطلان ضمني فكذا هاهنا. ولا معنى لاعتبار الشروع بالنذر; لأن النذر التزام بالقول, وله ولاية ذلك فإذا أتى بكلمة الالتزام لزمه, وأما الشروع فليس بالتزام بل هو أداء بعض العبادة, ولم يوجد فيما بقي التزام فلا يلزمه. ونظيره الكفالة مع الفرض أو الصدقة فإن الكفيل لما التزم بالقول فيلزمه ما التزم فأما المقرض والمتصدق فلا يلتزم بالقول, ولكن شرع في الإعطاء فبقدر ما أدى يصح, ولا يلزمه ما لم يعط. يوضح الفرق بينهما لو نذر أربع ركعات يلزمه, ولو شرع ينوي أربع ركعات لا يلزمه. ولو نذر الصلاة قائما يلزمه القيام, ولو شرع قائما لا يلزمه. ولو نذر صوم يوم النحر يلزمه عندكم, ولو شرع فيه لا يلزمه على أن الشروع أداء بالفعل والنذر إيجاب في الذمة بالقول ثم في النذر يلزمه بقدر ما سمى فكذلك بالشروع يلزمه بقدر ما أدى, وما لم يؤده لا يلزمه كما أن ما لم يسمه بالنذر لا يلزمه. فبطل المؤدى يعني عند الامتناع عن أداء الباقي. حكما له أي للامتناع الثابت بالتخيير.
قوله"وقلنا نحن إن أداه فقد صار لغيره"يعني صار عبادة لله تعالى مسلما إليه; لأنه لما شرع في الصوم أو في الصلاة, وأدى جزءا منه فقد تقرب إلى الله تعالى بأداء ذلك الجزء وصار العمل لله تعالى حقا له بالنص ولهذا لو مات كان مثابا على ذلك. وحق غيره محترم أي حرام التعرض بالإفساد ومضمون عليه إتلافه بالنص والإجماع فوجب صيانته وحفظه احترازا عن ارتكاب المحرم ووجوب الضمان, ولا سبيل إليه أي إلى حفظه