أعني المؤدي وغير المؤدي فوجب الترجيح لما قلنا بالاحتياط في العبادة
ـــــــ
وصيانته أو إلى كونه مضمونا إلا بإلزام الباقي, وهما أمران متعارضان أعني المؤدى وغير المؤدى يعني لو نظر إلى المؤدى يلزم إلزام الباقي صيانة له عن البطلان, ولو نظر إلى غير المؤدى نفسه يلزم أن يكون غير لازم; لأنه في ذاته نفل كما قاله الشافعي. فوجب الترجيح لما قلنا اللام ليست للتعليل بل هي صلة الترجيح أي وجب ترجيح ما قلنا بالاحتياط في العبادة فإن قيل لا نسلم أن المؤدى صار عبادة لله تعالى; لأن ما شرع فيه عبادة صوم أو صلاة, وهي مما لا يتجزأ فلا يكون الموجود طاعة إلا بانضمام الباقي إليه, وإذا لم يكن طاعة لا يحرم إبطاله. ولئن سلمنا كونه عبادة فلا نسلم أن أداء الباقي شرط لبقائه عبادة; لأنه عرض يستحيل بقاؤه فكما وجد انقضى وعدم, ولا تصور للغير بعد العدم.
والدليل عليه أن المؤدى باعتراض الموت لا يخرج عن كونه عبادة حتى ينال به الثواب بلا خلاف بين الأمة, ولو كان أداء الباقي شرطا لبقائه عبادة لبطل بفوات الشرط. يوضحه أن أداء الباقي لو جعل شرطا لا يخلو من أن يجعل شرطا لانعقاد المؤدى عبادة أو لبقائه عبادة فإن قلتم بالأول فالامتناع عن مباشرة شرط الانعقاد لا يعد إبطالا, وإن قلتم بالثاني فهو خلاف المعقول; لأنه لما انعقد عبادة بدون الباقي فلأن يبقى بدونه كان الأولى; لأن البقاء أسهل من الابتداء. ولئن سلمنا كون الباقي شرط لبقائه عبادة فلا نسلم أن الامتناع عن أداء الباقي إبطال له; لأن الإبطال إنما يحصل بمصادفة الفعل وذلك فيما مضى من الأفعال محال, ولكنه إذا امتنع فات وصف العبادة عن المؤدى فلا يكون مضافا إلى فعله كما ذكرنا من النظائر. قلنا نحن لا ندعي أن المؤدى صوم أو صلاة في الحال, ولكنا نقول هو أفعال الصوم والصلاة على معنى أنه يصير مع غيره صوما تاما شرعيا فكان له عرضية أن يصير صوما أو صلاة بضم الغير إليه فيكون المؤدي متقربا إلى الله تعالى بهذا الفعل فيكون عبادة من هذا الوجه, ولكنه باعتبار أنه جزء مما لا يتجزأ لا حكم له بدون الأجزاء الأخر ضرورة ثبوت الاتحاد فكان كل جزء عبادة متعلقة بما قبله وبما بعده من الأجزاء إذ لا بد له من التعلق لضرورة الاتحاد فجعل هذا الجزء عبادة وجعل كل جزء مقدما عليه شرطا لانعقاده عبادة وكل جزء يوجد بعده شرط لبقائه على وصف العبادة. فانعقد الجزء المتقدم عبادة وجعل شرطا لانعقاد الأجزاء التي بعده عبادة وانعقد الجزء الأخير عبادة وجعل شرطا لبقاء الأجزاء التي تقدمته على وصف العبادة وكل جزء من الأجزاء المتوسطة انعقد عبادة, وكان شرطا لبقاء ما تقدمه على وصف العبادة وشرطا لانعقاد ما تعقبه عبادة فقلنا هكذا عملا بالدلائل بقدر الإمكان. ولا معنى لقولهم إنه لا يحتمل التغيير بعد العدم; لأن ذلك خلاف النص والإجماع فإنه تعالى قال {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} .