مال غيره حتى مات وكذلك صائم أكره على الفطر ومحرم أكره على جناية وما أشبه ذلك من العبادات والحقوق المحترمة, وأمثلته كثيرة.وأما القسم الثاني فما يستباح بعذر مع قيام السبب موجبا لحكمه غير أن الحكم متراخ مثل المسافر رخص له أن يفطر بناء على سبب تراخي حكمه
ـــــــ
أصلا وحق الله تعالى يفوت إلى بدل, وهو القضاء فله أن يقدم حق نفسه. وإن صبر, ولم يفطر حتى قتل, وهو صحيح مقيم كان مأجورا; لأن حق الله تعالى في الوجوب لم يسقط فكان له بذل نفسه لإقامة حق الله عز وجل, وفيه إظهار الصلابة في الدين, وإعزازه. إلا أن يكون مسافرا أو مريضا فلم يفطر حتى قتل كان آثما; لأن الله تعالى أباح لهما الإفطار بقوله. {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} "ابقرة: 184". فعند خوف الهلاك رمضان في حقهما كشعبان في حق غيرهما فيكون آثما بالامتناع حتى يموت بمنزلة المضطر في فصل الميتة كذا في المبسوط. وما أشبه ذلك من العبادات مثل الصلاة ونحوها والحقوق المحترمة مثل ما لو أكره على الدلالة على مال نفسه أو مال إنسان رخص له الدلالة, ولو لم يفعل حتى قتل لم يكن آثما; لأنه قصد الدفع عن ماله أو مال غيره وذلك عزيمة قال عليه السلام:"من قتل دون ماله فهو شهيد1".
قوله"وأما القسم الثاني", وهو الذي دون القسم الأول في كونه رخصة فما يستباح بعذر مع قيام السبب أي السبب المحرم موجبا لحكمة, وهو الحرمة. إلا أن الحكم متراخ عنه فمن حيث إن السبب الموجب قائم كانت الرخصة حقيقة, ومن حيث إن الحكم متراخ غير ثابت في الحال كان هذا القسم دون الأول فإن كمال الرخصة بكمال العزيمة فإذا كان الحكم ثابتا مع السبب فهو أقوى مما تراخى حكمه عنه كالبيع بشرط الخيار مع البيع البات والبيع بثمن مؤجل مع البيع بثمن حال فإن الحكم, وهو الملك في البيع والمطالبة بالثمن ثابت في البات متراخ عن السبب المقرون بشرط الخيار والأجل كذا ذكر شمس الأئمة - رحمة الله عليه - مثل المسافر رخص له أن يفطر مع السبب الموجب للصوم المحرم للفطر, وهو شهود الشهيد وتوجه الخطاب العام نحوه, وهو قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} "البقرة: 185". ولهذا لو أدى كان فرضا إلا أن الحكم, وهو حرمة الإفطار وترك الصوم تراخى في حقه إلى إدراك عدة من أيام أخر فكانت العزيمة أدنى حالا منها في المكره على الإفطار في الصوم; لأن الحكم هناك, وهو حرمة الإفطار لم يتأخر
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي في الديات 1419 وأبو داود ةفي السنة رقم 4771 ومسلم في الإيمان حديث رقم 141.