المسافر, وإنما جعلناها إسقاطا استدلالا بدليل الرخصة ومعناها أما الدليل فما روي أن عمر رضي الله عنه قال: انقصر ونحن آمنون فقال النبي عليه السلام:"إن هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"سماه صدقة والتصدق
ـــــــ
سبب الأربع والسفر سبب للقصر لا على رفع الأول وتغييره فإنه لو اقتدى بمقيم صح ويلزمه الأربع, ولو ارتفع لما لزمه كمصلي الفجر إذا اقتدى بمن يصلي الظهر فيعمل بأيهما شاء إلا أن القصر سبب عارض فما لم يعمل به لا يرتفع حكم الأصل, وهذا كالعبد إذا أذن له مولاه بالجمعة يتخير بين أن يؤدي الجمعة ركعتين وبين أن يؤدي الظهر أربعا فكذا المسافر يميل إلى أيهما شاء. وكذا المسافر في حق الصوم بالخيار إن شاء أخر, وإن شاء عجل, ولا يسقط به أصل الفرضية المتعلقة بالوقت إلا أن يترخص بالترك والتأخير. وعندنا القصر رخصة إسقاط أي القصر ليس برخصة حقيقة بل هو إسقاط للعزيمة, وهي الأربع. حتى لا يصح أداؤه من المسافر أي أداء ما سقط عنه كما لو صلى الفجر أربعا; لأن السبب في حقه لم يبق موجبا إلا ركعتين فكانت الأخريان نفلا لما بينا وخلط النفل بالفرض قصدا لا يحل, وأداء النفل قبل إكمال الفرض مفسد للفرض فإذا صلى أربعا, ولم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته.
وإنما جعلناها أي هذه الرخصة إسقاطا للعزيمة استدلالا بدليل الرخصة أي بدليل يثبت الرخصة واستدلالا بمعنى هذه الرخصة. أما الدليل فما روي عن علي بن ربيعة الوالبي قال سألت عمر رضي الله عنه ما بالنا نقصر الصلاة, ولا نخاف شيئا وقد قال الله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} "البقرة: 239"فقال أشكل علي ما أشكل عليك فسألت رسول الله عليه السلام فقال:"إن هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ."وفي بعض الروايات"إنها صدقة". والضمير أو اسم الإشارة راجع إلى الصلاة المقصورة أو إلى القصر, والتأنيث لتأنيث الخبر كقوله تعالى: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} "الزمر: 49". أو لتأويله بالرخصة أي هذه الرخصة صدقة. فالشافعي رحمه الله تمسك بهذا الحديث وقال أخبر النبي عليه السلام أن القصر صدقة والصدقة لا تثبت, ولا تتم إلا بقبول المتصدق عليه ولهذا قال فاقبلوا فقبل القبول بقي على ما كان. فالشيخ أدرج في تقريره رد هذا الكلام وقال سماه أي القصر صدقة والتصديق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد فلا يتوقف على قبول العبد فيكون معنى قوله فاقبلوا صدقته فاعملوا بها واعتقدوها كما يقال فلان قبل الشرائع أي اعتقدها. وأراد بقوله مما لا يحتمل التمليك ما لا يحتمله من كل وجه فأما ما يحتمله من وجه فالتصدق به. وتمليكه لا يكون إسقاطا محضا حتى لو قال لمديونه تصدقت بالدين عليك أو ملكتكه فإنه لو قبل أو سكت يسقط الدين, وإن قال لا أقبل