لتمثلها من قبل الناس أجمعين.
ويطلق على هذا النمط من الاستمرار الاستمرارُ التجددي الذي يعرف كثيرًا باستخدام الجملة الاسمية للقرائن فيها كما في قول النَّضْر بن جُؤَيَّة يتمدَّح الغنى والكرم:
لا يألف الدرهمُ المضروب صُرَّتَنا لكنْ يمرُّ عليها؛ وهو منطلقُ
فالشاهد قوله: (وهو منطلق) فالدرهم لا يستقر عنده؛ لذلك فهو باستمرار ينطلق كرمًا وإغاثة للمحتاجين. وقد قدَّم السياق القرائن الدالة على ذلك، وعليه قوله تعالى: ? وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ? . فالأخذ على يد المجرم حياة للمجتمع واطمئنان له.
وقد يكون السياق في معرض ذم يراد به الاستمرار والثبوت معًا كما في قوله تعالى: ? إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ? ، فالشاهد (وهو خادعهم) ؛ فالسياق أن المخادع ما يخدع إلا نفسه، ولن يوقعه فعله إلا في الشرور على الدوام والثبات، ولهذا كان الفعل (يخادعون) مفيدًا للتجدد مرة بعد مرة، ولم يقيد بزمن وإن كانت صورته صورة المضارع، فقوَّى المعنى في (خادعهم) .
وأما إذا كان خبر الجملة الاسمية جملة فعلية فإنها تفيد لفت السامع إلى حدوث الفعل مجددًا في زمن ما؛ وصار على وجه الثبات كقولنا: (زيدٌ سافرَ) . وهذا مغاير تمامًا لقولنا: (سافرَ زيدٌ) ، فهنا زيد لم يسافر إلا مرة واحدة في وقت مضى، فالزمن الماضي المخصوص بالسفر محدد. وكذا نقول في الزمن المضارع (الحاضر) فهو مخصوص بوقت ما وإن تضمن معنى التجدد والاستمرار من بعدُ، نحو: (زيدُ يدرسُ) ، و (محمدٌ يأكلُ) ، فالفعل ليس على جهة الدوام الأزلي، أو الثبات المطلق. فقد يأتي وقت لا يدرس فيه زيد، ولا يأكل فيه محمد .
ومن الشواهد الشعرية على الحَدَث الذي جرى في الزمن الماضي المخصوص ما قاله المتنبي لسيف الدولة في تكثير حساده؛ (أنت الذي صيرتهم) ، وخاطبه بصيغة الأمر في مطلع البيت بقوله:
أَزِلْ حَسَدَ الحُسَّاد عني بكبْتهم فأنتَ الذي صَيَّرْتَهم لي حُسَّدا
ب ـ الجملة الفعلية:
هي كل جملة صدرها فعل، وتوضع لإفادة الحدوث في زمن مخصوص كالماضي والمضارع مع الاختصار؛ أو تفيد الاستمرار التجددي إذا دلت عليه القرائن. ولها أشكال تتوارد عليها منها: الفعل التام مع فاعله أو نائبه، والفعل الناقص مع الاسم والخبر؛ والفعل اللازم والمتعدي؛ والجامد والمتصرف. فمن الجمل التي تفيْد الحدوث في زمن مخصوص قولنا: (وَصَلَ زيدُ إلى المدينة) . فالمتكلم أراد إفادة السامع بأن زيدًا وصل في الزمن الماضي. ويصبح هذا الزمن أكثر خصوصية؛ إذا قلنا: (وَصَلَ زيدٌ إلى المدينة مساءً) . أما إذا قلنا: (يَصِلُ زيدُ إلى المدينة) فالزمن مخصوص بالحاضر لا الماضي. وقد يفيد الفعل سواء كان ماضيًا أم مضارعًا التجدد والاستمرار إذا وجدت القرائن؛ كقوله تعالى: ? كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ? ، فالخيرية ما زالت مستمرة دوام تجدد هذه الأمة وبقاء البشرية على الأرض. وعليه قوله تعالى: ? لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ? . أراد: لو استمر في إطاعتكم وقتًا بعد وقت لحصل لكم مشقة وَعَنَتٌ.
وكلما زاد القيد زادت الخصوصية؛ ومن ثم زادت الفائدة بزيادة الخصوصية. ويرى د. شوقي ضيف أن لواحق الجملة الاسمية التي جاء خبرها فعلًا تزيد على الجملة الفعلية، فكل ما يحمله الفعل من لواحق تحمله الجملة الاسمية معه، كقولنا: (زيدٌ كتبَ مقالةً كتابةً حسنةً) . ومن لواحق الجملة الاسمية التوابع كالنعت والعطف والبدل والتوكيد.
وهذا كله جعل علماء المعاني لا يتبعون خطوات النحويين كلها فتراهم يقسمون الجملة إلى جملة رئيسية وجملة غير رئيسية. فالرئيسية ما لم تكن قيدًا في غيرها؛ وغير الرئيسية ما كانت قيدًا في غيرها وليست مستقلة بنفسها. ويخلصون من ذلك إلى أن المسند والمسند إليه ركنا الجملة وكل ما عداهما يعد زائدًا عليها، وهو من القيود التي تقدم فائدة ما تبعًا لنوع القيد وطبيعته. وبناء على ذلك كله فأقسام المسند والمسند إليه أربعة؛ هي:
1 ـ أن يكون المسند والمسند إليه كلمتين حقيقة، نحو: (زيدٌ قائمٌ) .
(يُتْبَعُ)