ومن هنا وجه البلاغيون اهتمامًا خاصًا لهذا المبحث، ورصدوا عوارض بناء الجملة، واعتبروا التقديم أحد هذه العوارض، فوضع الكلمة في غير موضعها انحرافًا بها عن الأصل أو القاعدة لداعٍ من الدواعي التي تتغير به الدلالة تغيرًا يوجب لها المزية والفضيلة . إن درجة الوعي في اختيار المتكلم أو المؤلف للمواد التي يوظفها أسلوبيًا أو ينحرف عنها تختلف بين قيم تعبيرية لا شعورية تقريبًا، وتتكون من العناصر الاجتماعية والنفسية اللازمة للتعبير، وبين قيم صياغة واعية ومقصودة شعوريًا. يقول د. صلاح فضل:"بيد أنه إذا كان التمييز بين هذين اللونين من الاختيار صالحًا نظريًا فغالبًا ما يصعب تطبيقه من الوجهة العلمية، وهناك بلا شك حالات تتوفر فيها لدينا قرائن كافية للتدليل على أن الاختيار قد تم بشكل واع مقصود. فاللجوء المنظم للأدوات الأسلوبية مؤشر لا يخطئ على النشاط الواعي المقصود".
وقد ألح الجرجاني على الوعي بالترتيب، وجعله شرطًا في ترتيب الكلام، ووضع الألفاظ موضعها. يقول:"وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصفة إن لم يقدم فيه ما قدّم ولم يؤخّر ما أخر، وبدئ بالذي ثُنِّيَ أو ثَنَّي بالذي ثَلَّثَ به لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة، وإذا كان كذلك فينبغي أن ننظر إلى الذي يقصد واضع الكلام". وعملية الترتيب جزء من عملية الاختيار، وهي عملية واعية مقصودة، فمؤلِّف القول يفكر في المعنى الذي يريد أن يصوره، ويرتب هذا المعنى في نفسه، ثم يختار النظم المناسب لأدائه، يُقدّم فيه ما تَقَدَّم في نفسه ويؤخِّر ما تأخَّر فيها.
أسلوبية العدول الرتبي:
يقع مبحث التقديم والتأخير في بؤرة مباحث الأسلوب الدائرة حول التركيب، ويكتسب هذا المبحث أهمية خاصة من حقيقة أنه يخضع في كل لغة للطابع الخاص بها فيما يتعلق بترتيب الأجزاء داخل الجملة. وهو من الظواهر الأسلوبية الشائعة في القرآن الكريم وذلك لما له من تأثير في المعنى واللفظ معًا .
وهو مظهر من مظاهر أسلوبية كثيرة تمثل قدرات إبانة أو طاقات تعبيرية يديرها المتكلم إدارةً حيةً واعيةً فيسخرها تسخيرًا منضبطًا للبوح بأفكاره. ومواقع الكلمات من الجملة عظيمة المرونة كما هي شديدة الحساسية، وأي تغيير فيها يحدث تغييرات جوهرية في تشكيل المعاني وألوان الحس وظلال النفس . فالذي تظهر به المزية في الأساليب"ليس إلا الإبدال - الاختيار- الذي يختص الكلمات، أو التقديم والتأخير الذي يختص الموقع، أو الحركات التي تختص الإعراب، فبذلك تقع المباينة".
وقد وصف فندريس البحث القائم على تحديد القيمة الفنية أو الأسلوبية للتغيير في مواقع الكلمات بأنه"في غاية الدقة، ويتطلب حسًا لغويًا مدربًا ولطفًا عاليًا في الذوق الأدبي، يضاف إليها معرفة نادرة بالظروف الفيلولوجية للغة المدروسة".
كما أن المعاني التي تكون أسبق وجودًا في الذهن من غيرها - والتي يلزم تقديمها اللفظي بحسب تقدمها الرتبي المعنوي- كثيرة متعددة بحسب تعدد أسبابها الموجبة لها النابعة من أبعادها ومواقعها في النفس، ولا يعدل بها عن مواقعها ومراتبها التي استحقتها، إلا إذا اقتضت التجربة الشعورية ذلك لأغراض وأبعاد نفسية معينة. وهذا هو الضرب الثاني من ضروب التقديم والتأخير القائم على أساس تقديم ما حقه التأخير وتأخير ما رتبته التقديم . فقد يعمد المبدع إلى هذا الضرب من الأسلوب في التعبير، فيرتب الألفاظ على غير ما يقتضيه ترتيبها ووجودها الذهني، وذلك من أجل تحقيق أبعاد نفسية معينة تنبع من طبيعة التجربة الشعورية والمعنى المراد نقله، ومن ظروف وأحوال المقام الذي سيق فيه التخاطب، مما يحتم على المتكلم تقديم ما حقه التأخير أو تأخير ما حقه التقديم. تقول: (زيدُ جاءني) إذا أردت أن تفيد فوق الإخبار بالمجيء ضربًا من الاهتمام بزيد والحفاوة بأمره، وتوكيد تلك الحقيقة لسامعك لأهميتها، أو لأنه على حال لا يتوقع مجيء زيد. وما شابه ذلك من تلك الألوان النفسية التي يبوح بها تقديم المسند إليه فإذا قلت: (جاءني زيدٌ) انقطع هذا الفيض من الهواجس والخواطر، وكان الكلام كلامًا مرسلًا يجري في سياق خال من تلك النبضات التي جرى فيها السياق الأول، لأنك لما
(يُتْبَعُ)