وهذا الاصلان، وإن وجد في الفقه ما يقابلهما من: «النص» و «القياس على النص» ، إلا أن طبيعة «الحكم» الذي يستنبطه الفقيه، ومجال حركته يختلف تماما عن طبيعة «الحكم» النحوي فيهما، لذلك فلا يكون مورد الفقيه والنحوي من هذين المصدرين واحدا، لاختلاف نظر الوارد، ولتفصيل ذلك نشير إلى بعض ما نأخذه على النحاة من فروق يختلف فيها استنباط الحكم، من النص والقياس عليه، بين كل من النحوي والفقيه، ثم مقدار ما قدمه كل من النحاة والفقهاء من «تأصيل» لهذه الادلة التي ادعي اشتراكهما فيها، وصقل للقواعد والضوابط التي أعانتهم في أوجه دلالتها، وأهمها عند الطرفين:
(25) تقدم نقل ذلك عن نزهة الالباء: 54.
1 ـ النص أو السماع
هناك نصوص مشتركة بين الفقهاء والنحاة أهمها: القرآن والسنة، ولكن يصعب أن نوحد بين مناهج البحث فيهما، فيستعير النحاة كل ما وضعه الاصوليون من قواعد لاوجه دلالتها على المطلوب، لان هذا «المطلوب» ليس واحدا بين الطرفين، ولا يكفي ما نقلناه عن ابن الانباري من «ان كلا من النحو والفقه معقول من منقول» لان جهة النظر العقلي فيهما مختلفة.
أ ـ القرآن:
والقرآن هو أهم الادلة السمعية المشتركة، وأهميته نابعة من كونه النص المتواتر وصوله إلى كل من النحوي والفقيه، ولكن استفادة كل منهما من هذا الدليل المقطوع به تختلف باختلاف طبيعة المستدل عليه عندهما، ونحن نسجل ذلك في النقاط الاتية:
1 ـ إن النحو يمكن أن يستنبط من كل آية في كتاب الله، لان طبيعة أحكامه تتعلق بلفظ القرآن ونظمه، وليس الامر كذلك بالنسبة للفقه، لان أحكامه لا تصدر إلا عن الايات المتعلقة بأفعال المكلفين مما نسميه «آيات الاحكام» وهي لاتتجاوز خمسمائة آية.
فمصدر النحوي من القرآن إذن غير مصدر الفقيه.
لان نظر هذا يتعلق بالشكل، ونظر ذلك يتعلق بالمضمون.
ويحتج هذا بكل ما في كتاب الله، ويحتج ذلك ببعض آياته.
ودلالة النص القرآني على المطلوب تختلف بين الفقيه والنحوي، فهي عند النحوي «دلالة قطعية» . وعند الفقيه «دلالة ظنية» ، لان حكم النحوي برفع الفاعل ونصب المفعول مثلا، لا يختلف بين أن تكون الاية «نصا» في مدلولها أو «ظاهر نص» ، ولكن حكم الفقيه يختلف بين النص الظاهر، حتى اضطر الاصوليون لان يبحثوا كثيرا في دلالات الصيغ من: الامر، والنهي، والعموم
والخصوص، والاطلاق والتقييد، وفي دلالات التنبيه والاشارة، والايماء، وفي مفاهيم الشرط، والوصف، والحصر، والغاية وأمثال ذلك مما هو معروف، وكل دلالاتها ظنية، لانها كلها من ظواهر الكتاب.
من أجل ذلك كان ينبغي أن تكون «قواعد الاستنباط» من هذا النص تختلف بين مستنبط ومستنبط.
2 ـ إن مسألة اختلاف القراءات وحجيتها، مسألة لا تبحث عادة في أصول الفقه، وربما في الفقه إلا نادرا، مثل جواز القراءة في الصلاة بإحدى هذه القراءات، ولكن هذه المسألة مهمة جدا بالنسبة للنحوي، لان أكثر القراءات متواترة ومرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله، وحتى لو افترضنا بأن القرآن لم ينزل إلا بواحدة منها، تبقى الاخريات من أقوى الحجج النحوية، لانها نصوص عربية فصيحة، ورواتها من الصحابة والتابعين قوم فصحاء، وفي قمة العصر الذي يحتج به النحاة عادة.
ولكن النحاة ـ مع ذلك ـ لم يبحثوا في حجة القراءات، ولم يحققوا فيها كما حقق الاصوليون في حجية الظواهر، بل إن النحاة ـ وبخاصة نحاة البصرة ـ لم يجعلوا القراءات ـ مع تواترها ـ أولى بالاحتجاج من شواهدهم التي أقاموا عليها قواعدهم، وردوا كثيرا منها متهمين أصحابها باللحن أو الشذوذ، لانها تخالف القاعدة التي بنوها على الشاهد والشاهدين، وربما كان هذا الشاهد لشاعر مجهول، أو امرأة من أسد أو تميم غير معروفة، حتى انتقد ذلك الفخر الرازي (ـ 606 هـ) في أثناء شرحه لقوله تعالى في أول النساء: (واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام وقراءة حمزة ومجاهد لها بجر «الارحام» التي رفضها البصريون، لانها مخالفة لقاعدتهم بعدم جواز العطف
(يُتْبَعُ)