إذا سئل عن «زيد» في «قام زيد» : لم رفع · فيقال: لانه فاعل = «العلة الاولى أو التعليمية» .
ثم يسأل: ولم رفع الفاعل · فيقال: للفرق بينه وبين المفعول = «العلة الثانية أو القياسية» .
ثم إذا سئل: ولم لم يعكس الامر فيعطى الرفع للمفعول والنصب للفاعل؟ فيقال: لان الفاعل واحد والمفاعيل قد تكون أكثر من واحد، فأعطي الرفع ـ وهو الاثقل ـ للاقل، والنصب ـ وهو الاخف ـ للاكثر، ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر ما يستخفون = وهذه «العلة الثالثة أو الجدلية» .
أنظر في ذلك: الخصائص ـ لابن جني ـ 1 >48 والرد على النحاة ـ لابن مضاء ـ: 151.
(21) الرد على النحاة: 152.
وإياها نووا، ألا ترى أنهم إذا استرسلوا في وصف العلة وتحديدها قالوا: إن علة (شد) و (مد) ونحو ذلك في الادغام، إنما هي اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد. . .» ثم يضرب أمثلة أخرى يقول في نهايتها: «فهذا الذي يرجعون إليه فيما بعد متفرقا قدمناه نحن مجتمعا» (22) .
ثم يشبه عمله هذا بعمل الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة فيقول: «وكذلك كتب محمد بن الحسن رحمه الله، إنما ينتزع أصحابنا ـ وهنا يعني فقهاء الحنفية (23) ـ منها العلل، لانهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه، فيجمع بعضه إلى بعض بالملاطفة والرفق، ولا تجد له علة في كلامه مستوفاة محررة، وهذا معروف من هذا الحديث عند الجماعة غير منكور» (24) .
ب ـ وأما أنها ليست وصفية تاريخية:
فلاننا ـ مع هذا التصريح الواضح من ابن جني أنه اتبع في تأسيس أصوله «طريقة الفقهاء» وهي وصفية تاريخية ـ نجد أن أصوله النحوية وأصول من تأخر عنه، ليست لها تلك الطبيعة الوصفية التسجيلية لاصول الاحناف، وذلك لان ملاحظاته وملاحظات أصحابه، في الواقع، لم تأخذ طريقها الطبيعي فتعتمد إلى مسائل النحو الذي يؤرخون له، ومواضع الخلاف بين أقطابه كعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من البصريين، والكسائي والفراء وهشام الضرير من الكوفيين،
(22) الخصائص 1>162.
(23 و24) الخصائص 1>163 وقد اضطررت لتفسير بـ «أصحابنا» هنا بالاحناف، وفي النص السابق بالبصريين، لاني رأيت بعض الباحثين ـ وفيهم من أجله ـ يرى: «ان النحاة ـ والبصريين منهم خاصة ـ قد انتزعوا علل النحو من كتب محمد بن الحسن الشيباني ـ صاحب أبي حنيفة ـ بالملاطفة والرفق» اعتمادا على هذا النص المشبه، مع أن أصحاب ابن جني في النحو هم البصريون، وفي الفقه الاحناف، وهو يشبه عمل نحاته بعمل فقهائه، ولا معنى لان ينتزع النحاة علة «شد» و «مد» في الادغام من كتب ذات علل فقهية. . .
انظر في ذلك: كتاب الاستاذ سعيد الافغاني «في أصول النحو» : 100، 226، والدكتور تمام حسان في كتابه «الاصول» : 182، والدكتور محمد عيد في «أصول النحو العربي» : 122.
وطرائق كل فريق من هؤلاء للاحتجاج لرأيه، ليستنتجوا من إحصائها وتصنيفها أدلة علماء النحو وأصولهم التي بنوا عليها مسائله، كما صنع فقهاء الحنفية في استنتاج أصولهم من كتب أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وإنما عكسوا القضية فركبوا الطريق من نهايته، وعمدوا إلى أدلة وأصول معروفة لعلم آخر هو الفقه، فجعلوها بداية شوطهم، وحملوها ـ راضية أم كارهة ـ فروع علم آخر لا يمت إليها بصلة، بحجة «أن كلا منهما معقول من منقول» كما يقال الانباري (25) . ولو أنهم ركبوا الطريق الصحيح لما وجدوا في كتب قدمائهم شيئا من هذه الاصول، عدا السماع والقياس، كما سنبين ذلك فيما يأتي.
ومع ذلك فلننظر في قيمة هذه الاصول التي نقلوها من الفقه إلى النحو، لنجد هل وفقوا في هذا النقل ·
قيمة ما سمي بأصول النحو
ونبدأ من هذه الاصول بما رجحنا أن أدلة النحو لا تتعداه، وهي أدلة «السماع والقياس» .
(يُتْبَعُ)