ثم ذكَرت أن «أل» المعرفة يجب ثبوتها في مسألتين، ويجب حذفها في مسألتين:
أما مسألتا الثبوتِ
فإحداهما: أن يكون الاسم فاعلًا ظاهرًا والفعلُ «نِعْمَ» أو «بِئْسَ» كقوله تعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ (ص: الآية 30) } {فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ (المُرسَلات: الآية 23) } {فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ (الذّاريَات: الآية 48) } و {بِئْسَ الشَّرَابُ (الكهف: الآية 29) } ، وأشَرْتُ بالتمثيل بقوله تعالى: {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ (الجُمُعَة: الآية 5) } ، إلى أنه لا يشترط كون «أل» في نفس الاسم الذي وقع فاعلًا كما في: {نِعْمَ الْعَبْدُ (ص: الآية 30) } ، بل يجوز كونُهَا فيه أو كونُهَا فيما أضيف هو إليه، نحو: {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (النّحل: الآية 30) } {فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ (النّحل: الآية 29) } ، {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ (الجُمُعَة: الآية 5) } .
ولو كان فاعل نعم وبئس مضمرًا وجب فيه ثلاثة أمور؛ أحدها: أن يكون مفردًا لا مثنى ولا مجموعًا، مستترًا لا بارزًا، مُفَسرًا بتمييز بعده، كقولك: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، ونِعْمَ رَجُلَيْننِ الزَّيْدَاننِ، ونِعْمَ رِجَالًا الزَّيْدُونَ، وقول الشاعر: (البسيط)
70 ـــ نِعْمَ امْرَأً هَرِمٌ لَمْ تَعْرُ نَائِبَةٌ
إلاَّ وَكَانَ لِمُرْتَاععٍ بِهَا وَزَرَا
والثانية: أن يكون الاسمُ نعتًا، إما لاسم الإشارةِ نحو: {مَا لِهَذَا الْكِتَبِ (الكهف: الآية 49) } (21) {مَا لِهَذَا الرَّسُولِ (الفُرقان: الآية 7) } وقولك: «مررتُ بهذا الرَّجُل» أو نعت «أيها» في النداء، نحو: {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ} {يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ} ، ولكن قد تنعت «أيٌّ» باسم الإشارة كقولك «يَأَيُّهذَا» ، والغالبُ حينئِذٍ أن تُنْعَتَ الإشارةُ كقوله: (الطّويل)
71 ـــ أَلاَ أَيُّهذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى
وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذاتتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي؟
وقد لا تُنْعَتُ كقوله: (الرّمل)
72 ـــ أَيُّهذَاننِ كُلا زَادَيْكُمَا
وأما مسألتا الحذفِ
فإحداهما: أن يكون الاسمُ مُنادًى؛ فتقول في نداء الغلام والرجل والإنسان: يا غُلاَمُ، ويا رَجُلُ، ويا إنْسَانُ، ويُسْتَثْنَى من ذلك أمران؛ أحدهما: اسم الله تعالى؛ فيجوز أن تقول: يا ألله، فتجمع بين «يا» والألف واللام، ولك قَطْعُ ألف اسم الله تعالى وحَذْفُهَا، والثاني: الجملة المسمَّى بها؛ فلو سميت بقولك: «المنطلق زيد» ثم ناديته قلت: يا المنطلق زيد.
والثانية: أن يكون الاسم مضافًا، كقولك في الغلام والدار: غلامِي، وداري، ولا تقل: الغلامي، ولا الداري؛ فتجمَعَ بين أل والإضافة، ويُسْتَثْنَى من ذلك مسألتان؛ إحداهما: أن يكون المضاف صفةً مُعْربة بالحروف؛ فيجوز حينئذ اجتماع أل والإضافة، وذلك نحو: «الضارِبَا زَيْدٍ» و «الضارِبُو زَيْدٍ» ، والثانية: أن يكون المضاف صفَةً والمضافُ إليه مَعْمُولًا لها وهو بالألف واللاَّم؛ فيجوز حينئذ أيضًا الجمع بين أل والإضافَةِ، وذلك نحو: «الضارِبُ الرَّجُلِ» و «الرَّاكِبُ الْفَرَسِ» وما عداهما لا يجوز فيه ذلك، خلافًا للفرَّاء في إجازة «الضارِبُ زَيْدٍ» ونحوه مما المضافُ فيه صفَةٌ والمضافُ إليه مَعْرِفَةٌ بغير الألف واللام، وللكوفيين كلهم في إجازة نحو: «الثلاَثَة الأثْوَاب» ونحوه مما المضافُ (فيه) عَدَدٌ والمضافُ إليه مَعْدُودٌ، وللرُّمَّانِيِّ والمبرِّدِ والزَّمَخْشَرِيِّ في قولهم (في) «الضّارِبي» و «الضّارِبِكَ» و «الضّارِبِهِ» : إن الضمير في موضع خفض بالإضافة.
اسم الكتاب: شرح شذور الذهب
ـ [د. بهاء الدين عبد الرحمن] ــــــــ [06 - 05 - 2006, 02:07 ص] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سأجتهد في بيان علة امتناع نداء لفظ الجلالة وأسماء الله الحسنى بـ (أيها) فأقول بعون الله:
(أيها) تستعمل في نداء ما فيه (ال) وفي الاختصاص، وفي كلتا الحالتين في نظري فيها معنى التخصيص من متعدد فمعنى: أيها الرجل، أناديك وأخصك من بين من يتصف بالرجولة، وكذلك في قولنا: أنا أيها الفتى أحب العلم، معناها أنا الفتى المخصوص من بين الفتيان أحب العلم، فلما كان في (أيها) معنى التخصيص من عموم أو التعيين من بين كثير مشتركين في صفة واحدة امتنع في حق الله تعالى وهو الواحد الأحد الفرد الصمد أن ينادى بـ (أيها) فلو قيل: يا أيها الرحمن، لأفاد ذلك وجود آخرين يتصفون بهذه الصفة بالدرجة نفسها، كأنه قيل: أخصك من بين كثيرين كل منهم رحمن تعالى الله عن الند والشبيه والنظير.
وفي رأيي أن القياس يقتضي أن ينادى المسمى بما فيه الألف واللام بحذف الألف واللام فيقال في نداء رجل اسمه (الحسن) : يا حسنُ، دون: يا أيها الحسن، لأنه قد يلتبس بأن المراد منه: يا أيها المتصف بالحسن من بين كثير حسنينن، وقد يرد السماع مخالفا للقياس فيتبع ما جاء به السماع.
والله أعلم.
ـ [أبو سارة] ــــــــ [06 - 05 - 2006, 10:10 ص] ـ
نفع الله بعلمكم وأمتع بكم.
(يُتْبَعُ)