[ج 1: ص 9] أعلمنا جل وعلا أنه لم يجعل الحكم بينه وبين خلقه إلا رسوله، ونفى الإيمان عن من لم يحكمه فيما شجر بينهم، قال {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ} الآية، ثم أعلمنا جل وعلا أن دعاهم إلى رسوله ليحكم بينهم إنما دعاهم إلى حكم اللَّه، لا أن الحاكم بينهم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنهم متى ما سلَّموا الحكم لرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقد سلَّموه بفرض اللَّه، قال اللَّه {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} ، إلى قوله {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} ذا حكم اللَّه فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله، وإعلامهم أنها طاعته، ثم أعلمنا أن الفرض على رسوله اتباع أمره، فقال {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} وقال جل وعلا {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ} الآية، وقال {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} إلى قوله {خَبِيرًا} ثم شهد اللَّه جل وعلا لرسوله باتِّباع أمره والاستمساك بأمره لما سبق في علمه من إسعاده بعصمته وتوفيقه للهدى مع هداية من اتبعه، فقال {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} الآية، ثم أمره اللَّه جل وعلا بتبليغ ما أنزل إليه أمته مع الشهادة له بالعصمة من بين الناس. فقال {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ثم أعلمنا أن الذي يهدي إليه رسوله هو الصراط المستقيم الذي أمرنا باتباعه، فقال {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ إلى قوله: وَمَا فِي الأَرْضِ} ففي هذه الآية التي طولناها ما أقام بها الحجة على خلقه بالتسليم لحكم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم واتباع أمره، فكل ما بين رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيما ليس لله فيه حكم فبحكم اللَّه سنه ووجب علينا اتباعه، وفي العنود عن اتباعه معصية، إذ لا حكم بين اللَّه وبين خلقه إلا الذي وصفه اللَّه جل وعلا موضع الإبانة لخلقه عنه. فالواجب على كل من انتحل العلم، أو نسب إليه حفظ سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم والتفقه فيها، ولا حيلة لأحد في السبيل إلى حفظها إلا بمعرفة تاريخ المحدثين، ومعرفة الضعفاء منهم من الثقات، لأنه متى لم يعرف ذاك لم يحسن تمييز الصحيح من السقيم، ولا عرف المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، فإذا وقف على أسمائهم وأنسابهم وعرف، أعني بعضهم بعضًا، وميز العُدُول من الضعفاء، وجب عليه حينئذ التفقه فيها، والعمل بها، ثم إصلاح النية في نشرها إلى من بعده رجاء استكمال الثواب العقبى بفعله ذلك، إذ العلم من أفضل ما يُخْلِفُ المرءُ بعده، نسأل اللَّه الفوز على ما يقربنا إليه ويزلفنا لديه