[ج 1: ص 38] ومن بني عَبْد الأشهل بْن جشم: أبو الهيثم بْن التيهان، واسمه مالك، وعويم بْن ساعدة. ثم رجعوا إلى قومهم بالمدينة، وأخبروهم الخبر وفشا ذكر الإسلام بالمدينة، فكان الواحد بعد الواحد من الأنصار يخرج من المدينة إلى مكة فيؤمن برَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثم ينقلب إلى أهله، فيسلم بإسلامه جماعة حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام ثم اختلف الأوس، والخزرج في الصلاة، وأبوا أن يترك بعضهم يؤم بعضا فبعث رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مصعب بْن عمير مع جماعة. وذلك أنهم كتبوا إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يبعث عليهم رجلا من أصحابه يفقههم في الدين فنزل مصعب بْن عمير على أسعد بْن زرارة، فكان يأتي به دور الأنصار فيدعوهم إلى اللَّه، ويقرأ عليهم القرآن، ويفقه من كان منهم دخل في الإسلام، وكان إسلام سعد بْن معاذ، وأسيد بْن حضير على يد مصعب، وذلك أنه خرج مع أسعد بْن زرارة إلى حائط من حوائط بني النجار معهما رجال من المسلمين فبلغ ذلك سعد بْن معاذ، فقال لأسيد بْن حضير: ائت هذا الرجل فلولا أنه مع أسعد بْن زرارة، وهو ابن خالتي كما علمت كنت أنا أكفيك شأنه فأخذ أسيد بْن حضير حربته، ثم خرج حتى أتى مصعبا فوقف عليه متشتما، وقد قال أسعد لمصعب حين نظر إلى أسيد: هذا أسيد من سادات قوم، له خطر، وشرف؛ فلما انتهى إليهما تكلم بكلام فيه بعض الغلظة، فقال له مصعب بْن عمير: أوتجلس فتسمع فإن سمعت خيرا قبلته، وإن كرهت شيئا أو خالفك أعفيناك عنه؟ قال أسيد: ما بهذا بأس، ثم ركز حربته وجلس فتكلم مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن، قال أسيد: ما أحسن هذا القول، ثم أمره فتشهد شهادة الحق، وقال لهم: كيف أفعل؟ فقال له: تغتسل، وتطهر ثوبك، وتشهد شهادة الحق، وتركع ركعتين ففعل، ورجع إلى بني عَبْد الأشهل، وثبتا مكانهما. فلما رآه سعد بْن معاذ مقبلا، قال: أحلف بالله لقد رجع إليكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما، وقف عليه، قال: له سعد ما وراءك، قال: كلمت الرجلين فكلماني بكلام رقيق، وزعما أنهما سيتركان ذلك، وقد بلغني أن بني حارثة قد سمعوا بمكان أسعد فاجتمعوا لقتله، وإنما يريدون بذلك إحقارك، وهو ابن خالتك؛ فإن كان لك به حاجة فأدركه فوثب سعد، وأخذ الحربة من يدي أسيد، وقال: ما أراك أغنيت شيئا، ثم: خرج حتى جاءهما، ووقف عليهما متشتما، وقد قال أسعد لمصعب حين رأى سعدا: هذا والله سيد من وراءه إن تابعك لم يختلف عليه اثنان من قومه فأبلى اللَّه فيه بلاء حسنا، فلما وقف سعد قال لأسعد بْن زرارة: أجئتنا بهذا الرجل يسفه شبابنا، وضعفاءنا والله لولا ما بيني، وبينك من