إلى الطريق الصحيح.
فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سبّ العاصي بعد معاقبته، فعندما قال رجل لشارب الخمر: أخزاك الله، فقال مستنكرًا: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان) . [1]
«وفي هذا معنى حكيم، لأنّ العاصي إذا أحسّ بنفرة النّاس منه واحتقارهم له ونبذهم إياه انتبذهم هو الآخر قصيًا، ومن ترك الجماعة تسلمه الشيطان، وهذا النهي عن سحب وصف المعصية والفِسق على مرتكبه بعد إقامة عقوبتها عليه له دور في بناء نفسه؛ لأنّه ينتقل نفسيا من ذلك الجو الذي ارتكب فيه خطيئته إلى جو ٍيشعر فيه بكرامته وأنّها لم تنحط، كما يشعر في الوقت نفسه بأن المجتمع الذي يعيش فيه كأحد أفراده مجتمع يُكرم فيه مشاعره ويغفر زلته، ويقيل عثرته، ويعد ما اتخذه في حقه من إجراء تأديبًا تقتضيه مصلحته ومصلحة المجتمع كما يُؤدب الوالد ولده، فهو لا يعدو أن يكون دواءً علاجيًا له ودواءً وقائيًا للمجتمع بأكمله، وبهذا تضرب الشريعة أسمى المُثل، وتقدّم أمثل الطرق في التربية النفسية الجنائية، إذ تقوّم في المنحرف اعوجاجه، وتبني في نفسه ما اهتزّ من مشاعره وأحاسيسه بطريقةٍ مهذبة وأسلوبٍ علمي» . [2]
وهكذا تجد أنّ النفس الإنسانية تنقسم إلى ثلاثة أنفس: مطمئنة ولوّامة وأمّارة بالسوء وهذا التقسيم لا يعني أنّ الأنفس متعددة وإنّما هي نفسٌ واحدة ولكنّها مستويات ودرجات، كما أنّ النفس العاصية لها دافع وأسباب تحرضها
(1) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب الضرب بالجريد والنعل، ح (6395) .
(2) الدعوة إلى الله في السجون في ضوء الكتاب والسنة، عبدالرحمن سليمان الخليفي ص 439، بتصرف.