فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 306

ففي هذه الآية المباركة: «هل ترى كلاما ًأبين من هذا في عقول النّاس، ثمّ انظر كم في هذه الكلمة من مرونة، فإنّك لو قلت في معناها: أنّه"سبحانه"يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله: - لماذا يبسط الرزق لهؤلاء، ويقدره على هؤلاء؟ أصبت. ولو قلت: أنّه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد أصبت، ولو قلت: أنّه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر وليحتسب أصبت، ولو قلت أنّه يرزق من غير معاتبة ومناقشة له على عمله أصبت، ولو قلت: يرزقه رزقا كثيرا لا يدخل تحت حصر و حساب أصبت ... ومن وقف على علم التأويل واطلع على معترك أفهام العلماء في آية رأى من ذلك العجب العاجب» . [1]

فالقرآن الكريم في جمعه بين الإجمال والبيان قد فاق كلام البشر الذي لا يكون إلا ّمجملا ًأو مبينًا، وترى الكتاب العزيز قد تميّز عن كلام البشر فتسمع أذنك الجملة منه وإذا هي مبيّنة ًمجملة ًفي آن ٍ واحد.

• رابعًا - التأثير بلا تأثر:

إنّ من طبيعة بني آدم - وهذا أمرٌ ملموسٌ في أنفسنا - أنّه عند الحديث والجدل مع الآخرين وهو في موطن الدفاع عن الذات أو إقناع الغير بما هو حقّ وصواب في نظره، بينما هي عند الطرف الآخر بخلاف ذلك تماما ً، إنّه يُلمح من كلامه التأثر و الانفعال إمّا إيجابا ًوإمّا سلبا ً، فتراه فرحا ً مسرورا ً إن اقتنع خصمه وسلم إليه، بينما تراه حزينا ً مهموما ًإن هو فشل في ذلك، حتى الرسل والأنبياء بل حتى أولوا العزم منهم"عليهم أفضل صلاة وأزكى تسليم"لم يكونوا بعيدين عن ذلك الشعور و الانفعال «خذ مثلا ً نوحًا - عليه السلام - ,

(1) النبأ العظيم، محمد عبد الله دراز ص 117 - 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت