حين جرت به السفينة وبمن آمن معه فتنبّهت فيه عاطفة الأبوة، فأخذ يُنادي ابنه يُحاول إقناعه - متأثرًا - بهذه العاطفة فيُناديه بأكثر العبارات دفقًا للاستعطاف من الأب لابنه (يا بني) ، (ہ ہ ہ) [هود:42] ، ويزداد تدفق العطف والاستعطاف: (ھ ھ ھ ھ) [هود:42] ، ولم تحفل البنوة العاقة باستعطاف الأب فآوت إلى فتوتها مخدوعة بقوتها: (? ? ? ? ? ) [هود:43] ، فتجيبه عاطفة الأبوة التي لا تزال تتدفق: (? ? ? ? ? ?) [هود:43] ، ثمّ تستدرك هذه العاطفة متشبثة بأمل: (? ? ) [هود:43] ، حتى لا تقطع أملها ويحسم الموقف موجٌ كالجبال، ومع هذا فلم يقض هذا الموج بضخامته على عاطفته، فمازالت تتدفق، وترفع كفيها: (? ? ? ? ?) [هود:45] ، ويأتيه الجواب الحكيم الذي لا يشوبه التأثر فتقنع وتسلم الأمر». [1]
إنّ الكلام البشري حين تأثره وانفعاله أثناء حديثه سواءً كان ذلك إيجابا ً أو سلبا ً، إنّما يدلّ ذلك دلالة ًواضحة ًأنّه لا حول ولا قوة إلا ّبالله، وأنّ الإنسان فيه من النقص والقصور، وأنّ ذلك التأثر وأعراضه ما هو إلا ّتعويض لذلك الكائن بما يُحقّق غرضه ويُشبع رغبته «أمّا القرآن الكريم فلا تظهر عليه هذه السمة في جدله بل تلمح من وراء العبارة قوة أعلى من أن تنفعل، قوة تؤثر ولا تتأثر تسوق الحجج والبراهين في عزّة من لا تنفعه الاستجابة ولا تضره المعصية» . [2]
كيف لا؟! والقرآن الكريم كتاب دعوة، وهذه الدعوة تسير في طريقها إلى أفئدة النّاس بالإقناع والتأثير في نفوسهم، وحتى يصل القرآن الكريم إلى هذا
(1) خصائص القرآن الكريم، فهد الرومي ص 55.
(2) المرجع السابق ص 56.