أولًا: أن الحكمَ المستنبط غيرُ صحيحٍ في ذاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:728 هـ) :"فإن هذا لا يجوز في شرعنا باتفاق، وهو أن يحبس رجل بريء، ويعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم" [1] .
ثانيًا: أن الآية لا تدل عليه: فإن الأخ الذي احتبسه يوسف عليه السلام لم يكن ممن ظَلَمَ يوسفَ حتى يقال إنه قد اقتص منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، ولم يقصد يوسف من احتباسه الإنتقام من إخوته، فإنه كان أَكْرَمَ من هذا، وكان في ذلك من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء إخوته، وإنما هو أمر أمره الله به ليبلغَ الكتابُ أجله ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف عليهما السلام كمال الجزاء، وتبلغ حكمة الله التي قضاها لهم نهايتها.
قال شيخ الإسلام (ت: 728 هـ) :"ولو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهةٌ، مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضًا ... ولو قُدِّرَ أن ذلك وقع من يوسف فلابد أن يكون بوحي من الله ابتلاءً منه لذلك المعتقل كما ابتلى إبراهيمَ بذبح ابنه، فيكون المبيحُ له على هذا التقدير وحيًا خاصًا كالوحي الذي جاء إبراهيمَ بذبح ابنه، وتكون حكمتُه في حق المبتلى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه، وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه، وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف عليه السلام، ولهذا قال تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(76 ) ) [يوسف: 76] فنسب الله تعالى هذا الكيد إلى نفسه كما نسبه إلى نفسه في قوله: إِنَّهُمَا يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16 ) ) [الطارق:15 ـ 16] " [2] .
(1) نقله عنه ابن القيم في إعلام الموقعين: (3/ 170) .
(2) إعلام الموقعين: (3/ 170 ـ 173) . باختصار وتصرف.