فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 473

الشاطبي (ت: 790 هـ) فيما لا يعتد به من الأقوال:"ما كان من الأقوال خطأ مخالفًا لمقطوع به في الشريعة" [1] .

والمقصود هنا أن معارضة ما استنبط من النص لنص قاطع أو إجماع أو أصل من أصول الشريعة وقواعدها الكلية موجب لبطلانه ورده [2] .

وقد نص العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ على العمل بالنصوص وما يستخرج منها من أحكام، وقيدوا ذلك بعدمِ وجودِ المعارض في عددٍ من الدلالات، مما يؤكد قاعدةَ رد المعنى المستنبط حالة وجود معارض شرعي راجح بما يطول ذكره في هذا المقام [3] .

(1) الموافقات: (4/ 155) .

(2) يتنبه إلى أنه ليس المقصود هنا تعارض الدلالات الظاهرة بل المقصود معارضة دلالة خفية ـ استنباط ـ لدلالة ظاهرة أو خفية، ولذا لا داعي للقول بأن النصوص لا تتعارض وإنما التعارض في ذهن المستنبط؛ لأن بحثنا هو في تعارض ما فهمه المستنبط من النص بمدلول آخر لنص أو إجماع أو قياس كما سبق.

(3) ومن ذلك قول أبو المعالي الجويني:"الاستدلال المقبول هو المعنى المناسب الذي لا يخالف مقتضاه أصلًا من أصول الشريعة". البرهان في أصول الفقه: (2/ 1206) .

وقال ابن الجوزي:"إن دليل الخطاب إنما يكون حجة ما لم يعارضه دليل أقوى منه". المصفى من علم الناسخ والمنسوخ: (1/ 17) .

وقال ابن بدران:"والضابط في باب المفهوم أنه متى أفاد ظنًا ـ عُرِفَ من تصرف الشارع الالتفاتُ إلى مثله ـ خاليًا عن معارض؛ كان حجةً يجب العمل به". المدخل لابن بدران: (1/ 277) .

بل بَيَّنَ بعضُ العلماء أن الحديث متى ما عارض أصول الدين وقواعده كان ذلك سببًا لعدم العمل به، ودلالة على ضعفه، قال الشاطبي:"وهذا كله على فرض أن لا يعارض الحديث أصل من أصول الشريعة، وأما إذا كان له معارض فأحرى أن لا يؤخذ به هدم لأصل من أصول الشريعة، والإجماع على منعه إذا كان صحيحًا في الظاهر وذلك دليل على الوهم من بعض الرواة أو الغلط من بعض الرواة أو النسيان". الاعتصام: (2/ 225) .

وقال شيخ الإسلام رحمه الله في أسباب عدم عمل العلماء ببعض الدلالات:"اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مراده". مجموع الفتاوى: (20/ 246) . ثم مثل لبعض تلك المعارضات ثم قال:"إلى أنواع المعارضات، وهو باب واسع أيضًا؛ فإن تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر خضم".

وقال في أسباب ذلك أيضًا:"اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه، أو نسخه، أو تأويله إن كان قابلًا للتأويل بما يصلح أن يكون معارضًا بالاتفاق، مثل آية أو حديث آخر، أو مثل إجماع". مجموع الفتاوى: (20/ 247) .

وقال في الفرق بين الدليل الشرعي ورأي العالم:"والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر، ورأي العالم ليس كذلك". مجموع الفتاوى: (20/ 251) .

وكذلك فقد استعمل العلماء هذه القاعدة خلال تعاملهم مع الأحكام:

ومن ذلك ما ذكره علي بن عباس البعلي الحنبلي بقوله:"عدم إيجاب الشافعى التتابع في الصيام في كفارة اليمين مع قراءة ابن مسعود السابقة، وهو منع عجيب فإنّ عدم الإيجاب يجوز أن يكون لعدم ثبوت ذلك عند الشافعي أو لقيام معارض راجح". القواعد والفوائد الأصولية للبعلي: (1/ 156) .

وعلق ابن كثير على قول من يرى أن ابتداء الصيام إنما يكون بطلوع الشمس بقوله:"قلت: وهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدم عليه، لمخالفته نص القرآن". تفسير القرآن العظيم: (144) .

وبَيَّنَ شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728) ـ عند حديثه عن التفسير الإشاري ـ أن من أسباب البطلان مخالفة ما عُلِمَ فقال:"أن يكون المعنى المذكور باطلًا؛ لكونه مخالفًا لما عُلِمَ، فهذا هو في نفسه باطل". مجموع الفتاوى: (13/ 240) . فجعل مخالفة المعلوم أي المتقرر الراجح دليلًا للبطلان.

والمقصود من هذه النقول السابقة أن وجود المعارض الراجح معتبر في إبطال الدلالة المرجوحة ومن ذلك أن يبطل المعنى المستنبط في حالة وجود المعارض الراجح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت