إن الواجب تجاه القرآن الكريم، أن يجعله المسلمُ قائده ودليله، فما دله عليه عمل به، وما نهاه عنه انتهى عنه، مقدمًا له على رغباته ومعتقداته، وهذا حال أهل العلم الراسخين، والعلماء الربانيين، قال جل وعلا: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الاحزاب: 36] .
وبهذا أوصى سلف الأمة رضي الله عنهم، قال ابن مسعود (ت: 32 هـ) رضي الله عنه:"وإذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} فارعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه" [1] .
وقد كان منهج السلف رحمهم الله اتباعَ القرآن بلا معارضةٍ بعقل أو هوى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728 هـ) :"فكان القرآن هو الإمام الذي يُقتدى به، ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأى وقياس ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلًا عن أن يقول فيجب تقديم العقل. والنقل ـ يعنى: القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين ـ إما أن يفوض، وإما أن يؤول. ولا فيهم من يقول إن له ذوقًا أو وجدًا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث" [2] .
وقال:"المقصود أنهم كانوا متفقين على أن القرآن لا يعارضه إلا قرآن، لا رأي ومعقول، وقياس، ولا ذوق ووجد وإلهام ومكاشفة" [3] .
ومن أهم أسباب الانحراف في الاستنباط اختلال ذلك المنهج بأن يَعْتَقِدَ المُسْتَنْبِطُ معنى من المعاني، ثم يريد أن يحمل ألفاظ القرآن الكريم على ذلك المعنى الذي يميل إليه ويعتقده وهي لا تدل عليه فيجعل القرآن تبعًا له [4] [5] .
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (1/ 196) ، الزهد لابن حنبل: (158) ، والزهد لابن المبارك: (13) ، وحلية الأولياء: (1/ 130) .
(2) مجموع الفتاوى: (13/ 29) .
(3) مجموع الفتاوى: (13/ 30) .
(4) المراد اعتقاد المعاني الباطلة ثم حمل نصوص القرآن عليها، ويدخل في ذلك تقديم الاعتقاد في أي مسألة ثم يكون الاستدلال عليها بتحميل النصوص ما لا تحتمله.
(5) ويدخل في هذا كثير مما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن حين تعتقد المعاني والنظريات ومن ثَمَّ يستدل لها بآيات القرآن الكريم، وينبغي التفريق بين أمرين:
الأول: أن تذكر أسرار في القرآن فيبحث عن سبب ذكرها وعلة اختيار الله تعالى لها وعلاقتها بمفردات أخرى ذكرت في الآية ومدى تحقيق رؤية ذلك في الواقع العلمي كقوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] ، وقوله: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) } [الفرقان: 53] ، وقوله: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور: 40] ، إلى غير ذلك مما يكون الباعث فيه البحث عن سر ذكر القرآن لهذا المعنى أو هذه الظاهرة.
الثاني: أن تدرس النظريات في المعامل والمختبرات ومن ثَمَّ يبحث في القرآن عن ما يوافق هذه النظريات أو الفرضيات، وهنا يقع أكثر الخطأ والغلط.