وهكذا نجد هذا الاستنباط منحرفًا عن الطريق الصحيح إذ قُدِّمَ العقلُ على النَّصِّ الواردِ في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت:"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء [1] ـ أو بذات الجيش ـ انقطع عقد لي، فأقام رسو الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناسُ إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامتْ برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء"إلى أن قالت:"فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم" [2] .
ولما عارض هذا الحديث وأمثاله ما ذهبوا إليه زعموا أن هذه الأحاديث منقولة بالمعنى وهي وقائع أحوال مجملة لا تنهض دليلًا [3] .
قال الإمام محمد بن علي القصاب (ت: بعد 360 هـ) :"في ذِكْرِ المرض خصوصٌ ـ والله أعلم ـ هو أنه المرض الذي لا يقدر معه على إمساس الماء جوارحه، مثل الجرح المخوف من الجدري والحصبة [4] إذا غطيا بدنه وفتحاه، وأشباه ذلك دون الحمى وأوجاع الجسد التي لا تكلم" [5] .
(1) البيداء: هي مفازة إذا رحل حجاج المدينة من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى مكة. انظر: معجم الأمكنة الوارد ذكرها في صحيح البخاري لجنيدل: (96 ـ 97) .
(2) رواه البخاري في صحيحه (مع الفتح) في التيمم قول الله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) : (1/ 431) برقم (334) ومسلم في صحيحه بشرح النووي في الحيض باب التيمم: (3/ 49) برقم (367) .
(3) انظر: تفسير المنار: (5/ 122) ، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير للرومي: (2/ 687) .
(4) الجدري والحصبة: بثر يظهر في الجلد. انظر: النهاية في غريب الحديث: (1/ 394) ، ولسان العرب: (1/ 318) ، والمصباح المنير: (1/ 138) .
(5) انظر: نكت القرآن: (1/ 301) .