خَشيةَ أنْ يضيع دينُ الله, ومع ذلك فَفِعلُهم هذا هو في الحقيقة وفي حينه فِقهٌ أكبرُ بل هو الأكبرُ, كما كان دأبُ الزُهري والأعمش وشُعبةَ وابنِ مهدي والقطَّان وابن معين وغيرِهم، وأمَّا في هذا الزمان فالحديثُ استقرَّ جَمْعُهُ في بُطون الكُتُب فلا يَصولُ ويجولُ في تهذيبه وتصفيته من سقيمه إلاَّ من التقم ثديَ الفقهِ فشغَفَهُ حُبًَّا, وإلاَّ فلا أظنُّ أنْ تستوي له سُوْقٌ (وكيف يستقيمُ الظِلُّ والعودُ أعوجُ) .
-وإنْ تحصَّل عالمٌ بالحديث غيرُ فقيه, فهذا شذوذٌ لاحُكمَ له والحكمُ للغالب.
-وكذا قد يُعقلُ مع قُلٍّ ونُدْرَةٍ، وُجُودُ فقيهٍ غيرِ مُعتنٍ بالأثر, وهذا من سببه: انشغالٌ بالفقه عن جمعِ الحديث, وتصدُّرٌ للفُتيا وتركٌ للرِّحلة, ولكلٍّ وِجْهَةٌ, وكلٌّ مُسخَّرٌ لما خُلِقَ له, ومن سببِهِ أيضًا: ضَعفُ حِفظٍ مع قُوَّةِ فِقهٍ وفِطنةٍ, وهذا خَلْقُ الله.
فِمثالُ الأول أبو حنيفةَ النُّعمان: فهو إمامٌ مشهورٌ, لكنه انشغل بالفقه فأخذ الناسُ عنه علمًا جمًَّا, وأخذ الناسُ بفتياهُ في مشارق الأرض ومغاربها, ولكنه ما اشتهر بالحديث كمالكٍ والشافعي وأحمدَ والبُخاريِّ, وعُذرُهُ ما تقدَّم والله أعلم.
وأمَّا مِثالُ الثاني فشيخُهُ حمَّادُ بنُ أبي سُليمان: فقد كان فقيهًا وللحديثِ غيرَ حفيظٍ: (( قال أبو حاتم: حمَّادٌ هو صدوقٌ, لايُحتجُّ بحديثه, وهو مستقيمٌ في الفقه, فإذا جاء الآثارُ شَوَّشَ ) )كما في ترجمته من تهذيب التهذيب.
وأمَّا الفريقُ الثاني فنقول لهم: فأمَّا علماءُنا -ومنهم الألباني- فقد علَّمونا أنْ نحفظ ونأخذ أقوالَهم بدليلها وإلاَّ فلا, وعلَّمونا أنَّه ما مِن أحدٍ إلاَّ رَدَّ أو رُدَّ عليه إلاَّ النبيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والحمدُ لله ربِّ العالمين.