نَبْذَ مَنْ هَجَر!! والسُّنَّةُ فالحِكمةُ لها تَبَع: إعطاءُ ما تستحق الوقائِعُ من شِدَّة أو لِينٍ, فهذه هي الوسطيَّةُ وما سِواها أقربُ للبَطَر, وإن تعارضَ لينٌ وشِدَّةٌ فاستويا فالحكمُ للأصلِ, ولِمَا مِنَ النصِّ ظَهَر, فعند البخاري (5775) ومسلم (2327) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ, إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا, مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا, فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ, وَمَا انْتَقَمَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ, إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ» .
أمَّا بعدُ: ورُجوعًا لما به بدأتُ, أقول: فَمِن عُذري لمشايخي: هو غُربةُ المسألة التي ذهبتُ إليها فلا أحدَ منهم يُوافِقُني, ولكنِّي ظَنَنْتُ أنَّ لنفسي قُوَّةً, وقد أويتُ بفضل الله ورحمته إلى رُكنٍ شديد, ولم أطأ في هذا الأمر على جُرفٍ هارٍ لينهارَ بي في ظُلُمات الهوى والضلال, فإن لم يكنْ مَشايخي أولاءِ مَعِيَ في فِقهِ ما إليه ذهبتُ, فهم مَعِيَ فيما أصَّلتُ وأسَّستُ, ومَعِيَ مَنْ هو أجلُّ في أعيُنِهم مِنْ أنفسهم, وحسبي أنْ قال شيخُ الإسلام ابنُ القيِّم بما قُلتُ, وتَبِعَهُ نظرًا واستدلالًا فقيهُ زماننا ابنُ عُثيمينَ, ومِنْ قبلُ مَعِيَ أحاديثُ بمنطوقِها وأفهامِها تشهدُ لِما استنبطتُ. فيا طالبَ العلم لو مِنْ أمثالهم أَخَذْتَ, وعلى أيديهم دَرَسْتَ, ولِسماعِ أشرطةِ عالمٍ كالألباني ربَّاني أَدْمَنْتَ؟؟ فإنْ فاتتك صُحبتُهُ فما فاتك مِنْهُ ما سمِعتَ, فَمِنَ الخُسرانِ لِطُلاب الزمان ذا أن يفوتَهم هذا السماعُ لمجالسه هو أو العُثيمينَ ذاك الإمامُ العَجَبُ, الذي بدروسهِ وفتاواهُ سارتِ الرُّكبانُ الأعاجِمُ والعربُ, وكذا مَنْ لم يُتَحْ له مُرافَقةُ عالمٍ تُضربُ له أكبادُ الإبِلِ، فعليه بما فتح الرحمنُ علينا من تسهيلِ عُلومهِ كسماعٍ لمشايخَ أجِلاءَ قد أتقنوا مفاتيحَ العُلوم كالشيخ عبدالكريم الخضير وصالح آل شيخ حفظهما المولى وبارك لهما في النيَّة والعمل, وغيرُهما الكثيرُ من مَشايخنا الذين لو قُدِّموا حقيقَ التقديم لتقدَّمَتِ الأُمَّةُ ما بقي لها من أَجَل. فنحمدُه تعالى على زمانٍ تقرَّبَ وقُرِّبَ العِلمُ, والناسُ فيه بين مُستَكثِرٍ ومُقِل, فزهِدَ فيه مَنْ زَهِد واغْتَرَفَ منه من سَعِد.