فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 153

وأمَّا شيخُنا الحافِظُ أبو عبدِالرحمن عبدُالله السعد أسعدهُ ربي وَوَصَلَهُ, فقد بَلَغني ثناؤُهُ إذْ وَصَلَهُ بحثي, وَوَصلني إكرامُهُ بعد إذْ وصلتُهُ, فذكَّرني مجلِسُهُ بمجالِسَ نسمعُها أو نقرؤُها, فيها جَمَعَ الجالِسون بين طِيْبِ القلب والإكرامِ, وبين طِيْبِ العلمِ والعملِ.

فلا غَرابَةَ ولاعَجَبَ فلأجوافهم بحديثِ المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد ملؤوا, وحسبُكَ بالوحي ثَمَرَةً إنْ وعاهُ قلبٌ حافِظٌ, دَعِ الحِفظَ فوالله لا يُسمِنُ ولا يُغني من جُوعٍ, ولا يَشفي من ظمأٍ إنْ لم يُقارِنْهُ الدينُ والأدَبُ, فقد أخبرنا نبيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ من الثلاثة الذين هم أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِم قال: « ... وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ, وَقَرَأَ الْقُرْآنَ, فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا, قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ, وَقَرَاتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ, وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَاتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ, حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ ... «. [1]

فمجالِسُهم هي المجالس, لافيها جرحٌ ولاتجريح: (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (لا كمجالِسَ جَمَعَ أصحابُها الفضحَ والتقبيح, فصاروا أشِدَّاءَ على إخوانهم, رُحماءَ لِعدوِّهم, مع أنَّ القُرآنَ بالضِّدِّ حَكَم, ولِأفواهِ المُتَهوِّكينَ ألْجَم. فهذا مذهبٌ يُنسَبُ جهلًا للسلف, والسلفُ مِنه يتبرؤونَ وعَنهُ واللهِ غافلون. فكأنَّ هؤلاءِ صارتِ الغِلظةُ دِثارَهم, والفَظاظةُ شِعارَهم, وأمَّا العُبُوسةُ فسِيماهم من أثر الرُّدود, وأما السلفَ لو كانوا يتَّبِعون فسيماهم الرَّحمةُ من أثر السُّجود. ذلكم بأنَّه أشكل عليهم أنْ وجدوا قَطْرةَ غِلظةٍ في بحر رحمته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعلوا البحرَ تَبَعًا للقطرة, والجبلَ تَبَعًَا للذرَّة, فجعلوا الأصلَ فرعًا, والفرعَ أصلًا, ومَنْ لايوفِّقْ بينهما أصابته المَعَرَّة. أو أنَّهم أخذوا غِلظةً عُرِف بِها إمامٌ مُعتَبَر, فجعلوا سُنَّتَهُ هي السُّنَّةَ, ونبذوا السُّنَّةَ وراء ظُهورهم

(1) خرَّجه مسلم (1905) عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت