فلا عِصمةَ لأحدٍ بعدَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكنَّ المُنصِفَ من اغتفر قليلَ خطأِ المرءِ بكثيرِ صوابه، وطالبُ العلم المُوفَّقُ هو مَن يُهدى إلى الحق بدلائله لابقائله، والوزنُ عنده لِمَا أُثقِلَ بالنصوص لابالشخوص.
فلمَّا كان هذا مِنهاجَ الطائفة المنصورةِ، كتبتُ هذا الكتابَ، وإلاَّ فمحرومُ العلم أو مَن تَعامى تَعصُبًَا هو من يترك النصوصَ لقولِ رجُلٍ، أو لِمَا أُشرِبَ في قلبه من هوى، فليس إلى هؤلاء كَتبتُ وسطَّرتُ، فهم لاينتفعون إلاَّ بما سطَّره من سُمِّي عالمًا وإنْ كان جَاهلًا، فموازينُهُ تزِنُ الأسماءَ لا المُسمَّيات, وفرقٌ بين توقير العلماءِ أو الأخذِ عنهم بالحق وبين اتباعِهم صُمًَّا وعُميانًا، فالأولُ زَيْنٌ والثاني شَيْنٌ.
فلْتكنْ رَحِمك اللهُ ناظِرًا للفِعال لاللرجال، ومَن خالفَ فقَمِنٌ ألاَّ تُجبى إليه ثمراتُ العلم وكنوزُهُ، بل ووَضْعُها بين يديه تنزيلٌ لِمَا هو رفيعٌ وإذلالٌ لِمَا هو عزيزٌ، فلا هو في العير ولا في النفير.
وفي تفسير قوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (قال إمامُ المفسرين ابنُ كثير: «ومِن هاهنا يُؤخَذُ الأدبُ في نَشْرِ العلم, فلا يضعُهُ عندَ غيرِ أهلِهِ» .
قلت: فهذه هي القاعدةُ في نشر العلم وتعليمِهِ واللهُ أعْلَمُ.
ثم ما لبِثَ أنْ حوى البحثُ فوائدَ في الرواية أحسبُ أنَّها بلغت من المتانة مبلغًا, فبلغ الكتابُ تمامَهُ على صورةِ سَرْدٍ وعرضٍ للأدلة دليلًا دليلًا، ثم أتبعتُ أَدِلَتي بثلاثَ عَشْرَةَ مُشتبِهةً تحولُ دون الأخذِ بالسُّنن، فنقضتُها بحولِ الله وقوتهِ، لا بكوثر علمي وإنَّما لبيانٍ مُبينٍ من ربٍّ متينٍ قد أتَمَّ الدينَ.
وصيَّرتُ الكتابَ بِأدِلَّتهِ ومُشبَّهاته أبوابًا, كلُّ بابٍ منها له رقمٌ يدلُّ عليه, فكانت أربعينَ بابًا أو كادتْ أنْ تكون.