قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رحمه الله: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ [1] عَلَى أَنَّ الرَّقَبَةَ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْكَفَّارَةِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً حِينَ قَالَ:"وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ [2] فَأُعْتِقُهَا؟"يَعْنِي: الْجَارِيَةَ الَّتِي لَطَمَ وَجْهَهَا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَبَبَ [3] وُجُوبِ الرَّقَبَةِ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم:"أَيْنَ اللَّهُ؟"إِثْبَاتُ الْمَكَانِ لِلَّهِ - عز وجل -، وَلَكِنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - خَاطَبَهَا عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهَا، فَإِنَّهَا وَأَمْثَالَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ [4] فِي الْأَوْثَانِ أَنَّهَا آلِهَةٌ فِي الْأَرْضِ، فَأَرَادَ يَعْرِفُ إِيمَانَهَا [5] ، فَقَالَ لَهَا:"أَيْنَ اللَّهُ؟"حَتَّى إِذَا أَشَارَتْ إِلَى الْأَصْنَامِ عَرَفَ أَنَّهَا غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ، فَلَمَّا قَالَتْ:"فِي السَّمَاءِ"عَرَفَ أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِنَ الْأَوْثَانِ، وَأَنَّهَا مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ، الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرضِ إِلَهٌ، وَأَشَارَتْ إِلَى ظَاهِرِ مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ، ثُمَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ: {مِنْ في السَّمَاءِ} [6] : مَنْ فَوْقَ السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا قَالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [7] ، وَكُلُّ مَا عَلَا فَهُوَ سَمَاءٌ، وَالْعَرْشُ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ، فَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا أَخْبَرَ، بِلَا كَيْفٍ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، غَيْرُ مُمَاسٍّ لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، لَيْسِ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
(1) في النسخ:"دلالته"، والمثبت من المختصر.
(2) في النسخ:"رقبته"، والمثبت من المصدر السابق.
(3) في النسخ:"بسبب"، والمثبت من المصدر السابق.
(4) في (م) تقرأ:"يعتقدونه".
(5) كذا في النسخ، وكتب ناسخ (م) على الطرة:"والصواب: فأراد أن يعرف إيمانها"ورقم فوقها.
(6) سورة الملك (الآية: 16) .
(7) سورة طه (الآية: 5) .