فهرس الكتاب
وعلى القول بصحة رواية (كفر دون كفر) جدلًا
قال أبو محمد المقدسي فك الله أسره: أما من جهة الدراية فنقول أن قول ابن عباس هذا إن صح ـ إذ قد صح قريب من معناه عن غيره ـ فهو رد على الخوارج الذين أرادوا تكفير الحكمين وعلي ومعاوية ومن معهما من المسلمين لأجل الخصومة والحكومة التي جرت بينهم في شأن الخلافة والصلح وما جرى بين الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري .. إذ تلك الحادثة كانت أول مخرجهم ـ كما هو معلوم ـ فقالوا:"حكمتم الرجال": {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} سورة المائدة: (44) ولا شك أنهم مخطئون في ذلك ضالون .. إذ ذلك الذي وقع بين الصحابة ولو جار بعضهم فيه على بعض ليس بالكفر الذي ينقل عن الملة بحال، وقد بعث علي - رضي الله عنه - عبد الله بن عباس إلى الخوارج يناظرهم في ذلك فخرج إليهم فأقبلوا يُكلمونه فقال نقمتم من الحكمين وقد قال الله عز وجل: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا الآية} سورة النساء: (35) .
فكيف بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
قالوا له: ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم وما حكم فأمضى فليس للعباد أن ينظروا في هذا، فقال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} سورة المائدة: (95) . قالوا: تجعل الحكم في الصيد والحرث، وبين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أَعَدَلَ عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يُقاتلنا؟ فإن كان عدلًا فلسنا بعدول، وقد حكمتم في أمر الله الرجال.""
والشاهد .. أنه بعد هذه المناظرة رجع منهم إلى الحق خلق .. وأصر آخرون على ضلالهم وانشقوا عن جيش علي بعد حادثة الحكمين هذه، وهم أصل الخوارج.
فعمد مرجئة العصر إلى تلك المقولة المنسوبة لابن عباس وما شابهها من أقوال أُخرى لبعض التابعين .. كطاووس وابنه وأبي مجلز والتي كانت كلها في شأن الخوارج .. وطاروا بها كل مطير، لينزلوها زورًا وبهتانًا في محل غير