فهرس الكتاب
محلها وواقع غير واقعها ومقام غير مقامها، بدليل أن هذه اللفظة التي يحتج بها هؤلاء، فيها قول ابن عباس مخاطبًا أُناسًا بعينهم عن واقعة بعينها:"إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه"فلفظة"الذي تذهبون"خطاب للخوارج ومن تبعهم في زمانه، في واقعة معلومة معروفة .. فقوله إذًا ليس في تفسير الآية، وإنما في المناط الخطأ الذي علقها الخوارج خطأ فيه، بدليل أن الآية أصلًا تتكلم عن الكفار المبدلين لشرع الله يهودًا كانوا أو غيرهم وسيأتي تفصيل هذا .. فهل يُعقل أن يقول ابن عباس أو غيره من أهل الإسلام في تبديل اليهود أو غيرهم لحكم أو حد من حدود الله ـ كالدية أو حد الزنا ـ إنه كفر دون كفر؟؟ فمقولته هذه إذًا ـ على تقدير صحتها ـ هي في المناط الباطل الذي أراد الخوارج إنزالها فيه وليست في بيان الآية وتفسيرها نفسها .. فتنبه، ولا تنخدع بتلبيسات الضالين ..
يقول العلامة السلفي أحمد محمد شاكر في تعليقاته على (عمدة التفسير) عن هذه الآثار:"وهذه الآثار ـ عن ابن عباس وغيره ـ مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا من المنتسبين للعلم ومن غيرهم من الجرءاء على الدين: يجعلونها عذرًا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة التي ضربت في بلاد الإسلام"اهـ (4/ 156) .
وينقل رحمه الله تعالى في الموضع نفسه تعليق أخيه محمود شاكر على آثار مشابهة، يناقش فيها أبو مجلز وهو أحد التابعين بعض الخوارج في زمانه، أوردها الطبري في تفسيره (10/ 348) ، قال:"اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمّس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام، فلما وقف على هذين الخبرين، اتخذهما رأيًا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفّر الراضي بها، والعامل عليها ..".
وساق مناسبة تلك الآثار وأنها كانت مناظرة مع الخوارج الذين أرادوا تكفير ولاة زمانهم بالمعاصي التي لا تصل إلى الكفر .. ثم قال:"وإذًا فلم يكن سؤالهم"