قوله تعالى في شأن هذه الغَزَاة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} سورة التوبة: (38) ، ومعلوم أن الخطاب بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يشتمل الرجال والنساء، إلا أن النساء لم يخرجن في هذه الغزوة بدليل قول علي بن أبي طالب ـ لما استخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة في هذه الغزوة ـ قال علي (أتخلفني في النساء والصبيان) رواه البخاري (4416) . وهذا يدل على أن النفير العام لا يشمل النساء، وبالتالي يبقى حديث عائشة السابق على عمومه دون تخصيص.
وأيضا من المواضع التي يتعين فيها الجهاد، إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم، وهذا حدث على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الخندق، قال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} (الأحزاب: 10) ، ولم تخرج النساء للقتال في هذه الغزوة بل جُعِلْن في الآطام والحصون سيرة ابن هشام ط صبيح 1391 ص: 705، 711.
وقول ابن قدامة الحنبلي مشعر بهذا قال: [مسألة"وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا المقل منهم والمكثر، ولا يخرجوا إلى العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يَفْجَأهُم عدو غالب كَلَبَه فلا يمكنهم أن يستأذنوه"قوله المقل منهم والمكثر: يعني به والله أعلم الغني والفقير، أي المقل من المال ومكثر منه، ومعناه أن النفير يعم جميع الناس ممن كان من أهل القتال حين الحاجة إلى نفيرهم لمجيء العدو إليهم ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يُحتاج إلى تخلفه لحفظ المكان والأهل والمال .... ] المغني والشرح الكبير ج 10 ص 389. فقول ابن قدامة (لحفظ المكان والأهل) مشعر بأنه ليس على النساء خروج إذا دهم العدو البلدة.
وكذلك قال ابن تيمية: [ونظيرها: أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، وتكون المُقَاتِلة أقل من النصف، فإن انصرفوا استولوا على الحريم. فهذا وأمثاله قتال دفع، لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال. ووقعة أحد من هذا الباب الاختيارات الفقية ط دار المعرفة ص 311، وقوله أقل من النصف أي جند المسلمين أقل من جند العدو، وقوله (فإن انصرفوا استولوا على الحريم)