وقد قرر شيخ الإسلام الأصل السابق في أكثر من موضع في فتاويه: أن المال الحرام أو الذي لا يُعْرَف صاحبه يتصدق به ويصرف في مصالح المسلمين، وتقرأ في المجلد التاسع والعشرين في ص 262 كلامه عن مال الغُلُول من الغنيمة، وفي ص 262 عن ما أخذ ظلما وفي ص 250 عن اللقطة، ص 276 المال المغصوب، ص 291 ربح البيع المنهي عنه، ص 307 مال الربا، ص 307 مال المُغَنية، ص 309 مال البَغِيّ (المومسة) والخمار، وغيرها من المواضع ص 260، 263، 310، 321، 360، 363. وذكر أن هذا هو قول جمهور الفقهاء.
ومثل هذا ما ذكره ابن رجب الحنبلي في كتابه (جامع العلوم والحكم) في شرح الحديث العاشر"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا". قال: [الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به على صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء: منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. قال ابن عبد البر ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث إلى أن الغَالّ إذا تفرق أهل العسكر ولم يَصِل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، رُوِيَ ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما كان يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه. ـ إلى أن قال ـ والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها. وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه أنه يُتْلِفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به، وقال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب، والصحيح الصدقة به لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه، وإرصاده أبدا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربا منه بالخبيث، وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا] (جامع العلوم والحكم) ص 29، 90. والله تعالى المستعان.
(فصل) : وكما أن المال خير عظيم للجهاد، فقد يكون شرا مستطيرا عليه وذلك عندما يستخدم المال لشراء الذمم وبيع القضايا الإسلامية وتحويل مسار