{فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} سورة الأعراف: (30) ، قال ابن جرير ـ عند تفسير هذه الآية ـ: وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور [1] ، ومن المعلوم: أن أهل البدع الذين كفرهم السلف والعلماء بعدهم، أهل علم وعبادة وفهم وزهد، ولم يوقعهم فيما ارتكبوه إلاَّ الجهل.
والذين حرّقهم علي بن أبي طالب بالنار، هل آفتهم إلاَّ الجهل؟ ولو قال إنسان: أنا أشك في البعث بعد الموت، لم يتوقف من له أدنى معرفة في كُفره، والشاك جاهل، قال تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} سورة الجاثية: (30) وقد قال الله تعالى عن النصارى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} الآية سورة التوبة: (31) ، قال عدي بن حاتم للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما عبدناهم، قال:"أليس يُحلّون ما حرم الله فتحلونه؟ ويحرمون ما أحلّ الله فتحرمونه؟"قال: بلى؛ قال:"فتلك عبادتهم"فذمهم الله سبحانه، وسماهم مشركين، مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم معهم هذا عبادة لهم، فلم يُعذروا بالجهل.
ولو قال إنسان عن الرافضة في هذا الزمان: إنهم معذورون في سبهم الشيخين وعائشة لأنهم جُهال مُقلدون، لأنكر عليهم الخاص والعام، وما تقدم من حكاية شيخ الإسلام رحمه الله، إجماع المسلمين على: أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، أنه كافر مُشرك، يتناول الجاهل وغيره ...
والقرآن يرد على من قال: إن المُقلد في الشرك معذور، فقد افترى وكذب على الله، وقد قال الله تعالى عن المقلدين من أهل النار {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} سورة الأحزاب: (67) وقال سبحانه حاكيًا عن الكُفار قولهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} سورة الزُخرف:
(1) نقل الحافظ ابن كثير رحمه الله في هذه الآية عن الإمام الطبري قوله وأقرّه عليه، وقال الإمام البغوي فيها: (وفيه دليل على أنالكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق، والجاحد، والمُعاند، سواء) .