مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ سورة يونس: (104 _ 106) ، فأمر اللهُ تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ... } إلى آخره، أي: إذا شككتم في الدين الذي أنا عليه، فدينكم الذي أنتم عليه أنا بريءٌ منه، وقد أمرني ربي أن أكون من المؤمنين الذين هم أعداؤكم، ونهاني أن أكون من المشركين الذين هم أولياؤكم.
وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ - وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} إلى آخر السورة، فأمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول للكفار: دينكم الذي أنتم عليه أنا بريءٌ منه، وديني الذي أنا عليه أنتم بُرآءٌ منه.
والمراد: التصريح لهم بأنهم على الكفر، وأنه بريءٌ منهم ومن دينهم.
فمن كان متبعًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فعليه أن يقول ذلك، ولا يكون مظهِرًا لدينه إلاَّ بذلك؛ ولهذا لما عمل الصحابة بذلك، وآذاهم المشركون، أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى الحبشة، ولو وجد لهم رخصة في السكوت عن المشركين، لما أمرهم بذلك إلى بلد الغُربة ...
والمقصود منه: أن الرجل لا يكون مظهرًا لدينه حتى يتبرأ من أهل الكفر الذي هو بين أظهرهم، ويُصرح لهم: بأنهم كفار، وأنه عدوٌ لهم، فإن لم يحصل ذلك، لم يكن إظهار الدين حاصلًا) [1] .
ـ قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن رحمه الله: (وكذلك تأمل اليوم حال كثير ممن ينتسب إلى الدين والعلم من أهل نجد، يذهب إلى بلاد المشركين ويُقيم عندهم مدّة يطلب العلم منهم ويُجالسهم، ثم إذا قدم على المسلمين، وقيل له أتقِ الله وتب إلى ربك من ذلك، استهزأ بمن يقول له ذلك، ويقول: أتوب من طلب العلم؟ ثم يُظهر من أفعاله وأقواله ما يُنبئ عن سوء معتقده وزيفه، ولا عجب من ذلك لأنه عصى الله ورسوله بمخالطة المشركين، فعوقب، ولكن العجب من أهل الدين والتوحيد لانبساطهم مع هذا الجنس
(1) سبيل النجاة والفكاك في موالاة أهل الإشراك ص 92 _ 95.